موسم الفراغ وصراع ما قبل الوريث / سيدي عيلال .

وصولُ النظام إلى مرحلةٍ يُضطرّ فيها لدرء حلفائه ومواجهة تحركاتهم الفردية،” امام افام لخيام لكبارات ” ليس تفصيلاً عابراً في سياق سياسي مضطرب، بل هو دليلٌ صارخ على أن تلك التحركات كانت مزعجة بما يكفي لكشف ضعف البنية الداخلية، وبأن الإجماع الذي كان ينبغي صناعته قبل إعلان الخلف لم يولد أصلاً. هذا المشهد وحده يصبح برهاناً على تراجعٍ خطير ينخر ما تبقى من روح النظام، ويقوّض ما تبقى من هيبة الجمهورية في زمنٍ يتساقط فيه كل شيء بتدرجٍ مرتبك.
فحين يضطر “كبير القوم”، المحاط بقبائل وعشائر ما تزال تتشبث بظل أحفاد قادتها وملوكها، إلى توجيه كلامٍ مباشر إلى أحد أكثر حلفائه حضوراً في المهرجان الكرنفالي ـ التجريبي، التجريدي ـ فذلك يعني أن الثقة المتبادلة، أصلاً هشة، وصلت إلى حضيض غير قابل للترميم. وأن الخطوة القادمة قد تكون نقطة النهاية في آخر سطر من وهمٍ كبير اسمه “التحالف بحذر”.
ورغم أن الزيارة لم تحمل إنجازاً يُذكر، وبدت أشبه بخطابٍ طويل تجشّم فيه الفريق عناء السفر دون محطات تُريح كبار السن وذوي الأمراض المزمنة، إلا أنها ـ أو هكذا يُراد لها ـ ستكون فاصلاً ضرورياً لإيقاف صراع الخلافة الذي اندلع قبل أوانه. إنها محاولة لتجميد السباق المفتوح، ومنح آخرين فرصةً لإعادة ترتيب طموحاتهم مع أجنحة في القصر ما تزال ترفرف حول أكثر من شخصية، بحثاً عن ظهيرٍ يمكن الاتكاء عليه عندما يحين وقت الحسم.
فالمأمورية الثانية تترنح تحت ثقل المشاكل وتشتت الفريق الحاكم، ومع محدودية ما يمكن للرئيس في نهاية سلطته أن يقدمه، تتزايد المخاوف من أن يلجأ “الفريق المسير” إلى الخطيئة الكبرى: تغيير الدستور. وهي خطوة ينتظر كثيرون وقوعها على سبيل الخطأ أو المغامرة، لأنها وحدها كفيلة بإشعال ما تبقى من هشيمٍ يابس داخل النظام وخارجه.
إنه موسمُ فراغٍ سياسي، تتكسر فيه التحالفات القديمة، وتتهيأ فيه الساحة لولادة صراع أشدّ وأعمق… ما لم يقرّر النظام أخيراً أن يقرأ جسده قبل أن ينهار.