Uncategorizedالأخبارمقالات

حين يُعاقَب العمل ويُكافَأ الفساد: أيُّ منطقٍ ضريبيٍّ يحكم موريتانيا؟ / سيدي عيلال

أيُّهما أَولى في بلدٍ يرزح تحت وطأة الانسداد السياسي والاحتقان الاجتماعي:
أن تُعزَّز جبايةُ الضرائب القائمة، ويُحسَّن تحصيلها، وتُحمى مواردُ الدولة من النهب والفساد، أم أن يُلجأ ـ في أسهل الحلول وأخطرها ـ إلى فرض ضرائب جديدة على أنشطةٍ اقتصاديةٍ قائمة، تستوعب آلاف الشباب، وتوفّر الحدَّ الأدنى من الأمل في واقعٍ اقتصاديٍّ خانق؟
إنّ المنطق السليم، والعدالة الاقتصادية، بل وحتى أبسط قواعد الحِكمة السياسية، تقتضي أن يبدأ الإصلاح من حيث يضيع المال العام، لا من حيث يُنتَج. فالدولة التي تعجز عن تحصيل ضرائبها الحالية من كبار المتهرّبين، وعن ضبط مواردها المنهوبة، لا تملك أيَّ مسوّغٍ أخلاقي أو وطني لتوسيع العبء الضريبي على قطاعاتٍ هشّة، ما زالت تصارع من أجل البقاء، وتُشغّل آلاف الأيدي العاملة الشابة في بلدٍ تتفشّى فيه البطالة واليأس.
إنّ فرض ضرائب جديدة في هذا الظرف الدقيق ليس سوى اعترافٍ ضمني بفشل النظام القائم في إدارة المال العام، وعجزه عن محاربة الفساد، واختياره الطريق الأسهل: تحميل كلفة الفشل للفئات المنتِجة، بدل مساءلة شبكات النهب التي استنزفت خيرات البلد لعقود.
وفي ظل اضطرابات اجتماعية متفاقمة، وانسداد سياسي خانق، فإن الإمعان في خنق الأنشطة الاقتصادية الشبابية لا يُمثّل حلاً مالياً، بل مغامرةً اجتماعيةً خطيرة، تُنذر بتوسيع رقعة الاحتقان، وتعميق فقدان الثقة بين الدولة والمجتمع.
إنّ المطلوب اليوم ليس ابتكار ضرائب جديدة، بل إرادة سياسية حقيقية:
إرادة تُنهي اقتصاد الامتياز، وتُحصِّن موارد البلد، وتُفعِّل الجباية العادلة، وتُخضع المفسدين للمساءلة. وما عدا ذلك ليس سوى هروبٍ إلى الأمام، يدفع ثمنه الشباب، وتتحمّل وزره الدولة، ويُسجَّل فشلاً جديداً في سجل نظامٍ أنهك الوطن وأتعب أهله.

زر الذهاب إلى الأعلى