Uncategorizedالأخبارمقالات

تعليق علي كتاب المتهم رقم 4 … سيدي عيلال

يكتب المؤلف من موقعٍ بالغ الحساسية: موقع المتهم الذي يعرف خبايا الاتهام، ويدرك في الوقت ذاته هشاشته. لذلك جاء الكتاب هادئ النبرة، لكنه عميق الجرح؛ خالٍ من الصراخ، مشبع بالأسئلة. لا يسعى ولد أوداعه إلى تلميع الذات ولا إلى شيطنة الخصوم، بل يختار طريقًا أصعب: تفكيك السياق الذي حوّل الفعل الإداري إلى جريمة، والاختلاف السياسي إلى ملف قضائي.
ما يميّز «المتهم رقم 4» هو أنه لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يفضح منطق المحاكمة ذاته: كيف تُدار العدالة حين تتقاطع مع السياسة؟ وكيف يُعاد تعريف القانون تبعًا لموازين القوة؟ في هذا الإطار، يتحوّل المؤلف من شخصٍ في قفص الاتهام إلى شاهد على مرحلة، بل إلى وثيقة حيّة عن علاقة ملتبسة بين الدولة ومؤسساتها.
اللغة في الكتاب محسوبة، تميل إلى الرصانة أكثر من الإثارة، وإلى التوثيق أكثر من الانفعال. ومع ذلك، لا تخلو الصفحات من حزنٍ مكتوم وسخريةٍ مريرة؛ سخرية من مفارقة أن يُحاسَب من خدم الدولة بمنطق لا يُحاسَب به من نهبوها. هنا، يتسلل القارئ إلى سؤال أكبر من المؤلف نفسه:
من هو المتهم الحقيقي؟
أهو الفرد، أم المنظومة التي تبحث دائمًا عن كبش فداء لتبرئة ذاتها؟
«المتهم رقم 4» كتاب شجاع، ليس لأنه يدافع عن صاحبه، بل لأنه يرفض تبسيط الحقيقة. وهو، في جوهره، دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في معنى المسؤولية، وحدود السلطة، وأخلاقيات المحاسبة. لذلك، فهو لا يهم المتعاطفين مع المؤلف وحدهم، بل كل من يعنيه مستقبل العدالة والإنصاف في الدولة.
إنه كتاب يُقرأ لا للتسلية، بل للاستفاقة؛ كتاب يترك القارئ وفي ذهنه ضجيج أسئلة لا تهدأ، وذلك — في الأدب السياسي — أعلى درجات النجاح.

زر الذهاب إلى الأعلى