Uncategorizedالأخبار

الجمهورية ليست “بوتيكًا”: بين جرأة الإقصاء وصمت الشركاء / سيدي عيلال

ليست المشكلة في أن ينتقد المواطن المظالم، ولا في أن يرفض استهداف شريحةٍ بعينها؛ المشكلة الحقيقية حين يُطلب منه أن يختار بين صمتٍ مذلٍّ أو خصومةٍ عمياء. ذلك منطقٌ يُفرغ الجمهورية من معناها، ويحوّلها من إطارٍ جامعٍ للمواطنة إلى ساحةِ اصطفافٍ ضيقٍ لا يرى إلا الألوان والولاءات.
إن استئثار فئةٍ واحدةٍ بمفاصل الدولة ـ إن وقع ـ لم يكن معجزةً سياسية، ولا قدرًا تاريخيًا محتومًا، بل نتيجة معادلةٍ مختلة: جرأةُ بعض الفاعلين على إقصاء الشركاء، يقابلها إحجامُ آخرين عن رفض المجاملة، وعن إعلان التمسك الصريح بسيادة القانون. حين تُقدَّم الترضيات على العدالة، ويُستبدل معيار الكفاءة بمعيار القرب، تتكوّن طبقةٌ مغلقة، وتتشكل صورة دولةٍ تبدو وكأنها ملكية خاصة لا مؤسسة عامة.
لكن اختزال الأزمة في شريحةٍ بعينها ظلمٌ للحقيقة، وخدمةٌ مجانية لدوامة الشك المتبادل. فالدولة حين تختل، لا تختلّ باسم جماعةٍ واحدة، بل باسم ثقافةٍ كاملة تتسامح مع التمييز، وتصمت عن الخلل، وتخشى المواجهة الأخلاقية. والضحية حين يعمى بصره عن رؤية المشهد كاملاً، والمستفيد حين يُغريه الغرور بالمكابرة، يتعقّد الوضع أكثر، وتضيع البوصلة.
وليس بعيدًا عن هذا المشهد، لعب الجوار جنوبًا وشرقًا وشمالًا أدوارًا متباينة في سياقاتٍ مختلفة؛ بعضها غذّى المخاوف، وبعضها استثمر في التصدعات، وبعضها ترك أثرًا غير مباشر في تشكيل عقدةٍ مرضيّة من الارتياب والاصطفاف. غير أن تعليق كل خللٍ على الخارج لا يعفينا من مسؤوليتنا الوطنية: مسؤولية بناء دولةٍ تحمي الجميع بلا استثناء.
إن الجمهورية لا تصبح فخًا إلا حين نتخلى عنها نحن. حين نقبل أن تُدار المؤسسات بمنطق “الشريحة الواحدة”، أو أن يُواجه هذا المنطق بتحريضٍ مضادٍ لا يقل خطورة. فالتوازن لا يُستعاد بالكراهية، بل بإعادة الاعتبار للقانون؛ ولا تُهدم الامتيازات بالصراخ، بل بترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص.
لسنا بحاجة إلى جمهوريةٍ تُطمئن فئةً وتُقلق أخرى، بل إلى جمهوريةٍ عادلة، تحرسها المؤسسات لا الأمزجة، وتضبطها النصوص لا العلاقات. جمهوريةٍ لا يُطلب فيها من المواطن أن يصمت كي ينجو، ولا أن يهاجم كي يُسمع، بل أن يتكلم فيجد القانون إلى جانبه.
حين يسود القانون، يسقط منطق “البوتيك”. وحين تُحمى الشراكة الوطنية من جرأة الإقصاء ومن صمت المجاملة، يستعيد الوطن معناه، وتعود الجمهورية فخرًا لا فخًا.

زر الذهاب إلى الأعلى