Uncategorizedالأخبارجديد الأنشطة

هل تملك الحكومة الشجاعة الكافية للانحياز إلى المواطن ؟

أحيانا يبدو المشهد السياسي في موريتانيا ملتبسا إلى حد يثير الحيرة.. فلا يكاد المرء يجزم إن كانت الحكومة ماضية فعلا في طريق الإصلاح وخدمة المواطن، أم أنها في لحظات بعينها تقع أسيرة تناقضاتها، فتبدو وكأنها تحارب نفسها بنفسها.

هذا التردد في المواقف، وذلك التباين بين الخطاب والممارسة، يفتحان باب التساؤل واسعا: هل تملك الحكومات كامل إرادتها؟
أم أن ثمة قوى خفية، من لوبيات الفساد، تمارس عليها نوعا من الابتزاز، فتقيد قرارها، وتعطل كل مشروع إصلاحي جاد؟

وفي وسط هذا المشهد المضطرب، تبرز مدينة نواذيبو بوصفها حالة كاشفة، تختزل صراعا أعمق بين منطقين: منطق البناء والإصلاح، ومنطق العرقلة والاستنزاف.

هذه المدينة التي هي فضاء وطني جامع، تعيش فيه شتى أنواع وأطياف وألوان وجهات الوطن، وتلتقي فيه موريتانيا على اختلافها وتنوعها.

ولذلك.. فإن أي تنمية جادة في موريتانيا لا يمكن أن تستقيم أو تكتمل ما لم تنطلق من نواذيبو، أو تجعل منها نقطة ارتكاز حقيقية في مشروع البناء الوطني.

وفي قلب هذا الصراع يقف، العمدة والنائب القاسم ولد بلالي، هذا الررجل الذي أفنى عمره في خدمة المدينة، لكنه يجد نفسه في مواجهة مفتوحة مع لوبي فساد متحور، لا يثبت على حال، ولا ينتهي عند حد.. فكلما سقط له وجه، ظهر آخر أشد جرأة وفساد.

و الأخطر في هذا الصراع هو حالة الصمت أو التفرج التي تتسم بها السلطات العليا للبلد، التي قد تفسر، في نظر المواطن البسيط، على أنها تواطؤ أو عجز.
فكيف تترك إرادة المواطنين في نواذيبو رهينة حسابات ضيقة؟ ولماذا يمَكن للمفسدين، بينما يُضيَّق على المصلحين، وهم أولى بالدعم والتشجيع؟

قد يستهين البعض بخطاب الإشادة بشخصية بعينها، ويراه تكرارا مملا لا طائل منه، لكن الحقيقة أن وراء هذا الثناء سردية أعمق، تعبر عن معاناة مدينة بأكملها.

فالقاسم ولد بلالي، بالنسبة لكثير من أبناء نواذيبو، عنوان عريض لمرحلة من الصمود في وجه الإهمال والفساد، ورمز لمحاولة جادة لانتشال المدينة من واقعها المثقل بالتهميش.

لقد عاش سكان نواذيبو، وخاصة البسطاء منهم وهم السواد الأعظم، تفاصيل هذا الواقع، فرأوا كيف يمكن لمشاريع مهمة أن تجهض، ولمبادرات رائدة أن تحارب، فقط لأنها تصطدم بمصالح ضيقة لا ترى في الوطن إلا موردا للاستنزاف.

ومن هنا.. فإن دفاعهم عن الرجل ليس تعصبا لشخصه، ولا تملقا لمنصبه، بقدر ما هو دفاع عن فكرة: تتجسد هذه الفكر في أن يكون للمدينة من ينحاز إليها بصدق، ويجعل من خدمتها أولوية لا مساومة فيها.

ولعل ما يُؤخذ على الرجل في نظر خصومه أنه لا يجامل، ولا يُحسن فن المهادنة.. غير أن هذه الصفة، في سياقٍ كهذا، تتحول من مأخذ إلى فضيلة، إذ كيف يُنتظر من مصلح أن يلين في مواضع تستدعي الحزم؟
وكيف يُطلب منه أن يصافح من يعطل مصالح الناس ويقف حجر عثرة في طريق تنمية مدينتهم؟

إن ما يجري في نواذيبو هو مرآة تعكس إشكالية أعم: إشكالية العلاقة بين السلطة والإصلاح، وبين الإرادة السياسية وضغوط الفساد.

فإما أن تنتصر الدولة لمنطق البناء، فتُحصن قراراتها، وتدعم المصلحين، وتستعيد ثقة المواطنين.. وإما أن تظل رهينة توازنات هشة، تُبقي الفساد حيا، وتُضعف كل محاولة جادة للتغيير.

وفي النهاية، يبقى السؤال يتكرر: هل تملك الحكومة الشجاعة الكافية للانحياز إلى المواطن، أم أن معركة الإصلاح ستظل مؤجلة، تدور في حلقة مفرغة، يدفع ثمنها الوطن وأبناؤه؟

من صفخة الصحفي : سيدي عثمان محمد صيكه

زر الذهاب إلى الأعلى