Uncategorizedالأخبارمقالات

بين نفي الترشح وفتنة التأويل… حين تتكلم السلطة ويضجّ الصمت

حين يُنقل عن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني عزمه عدم الترشح لمأمورية ثالثة، فإن ظاهر القول يبعث على الطمأنينة، لكنه في باطنه يفتح أبواباً واسعة للريبة والتأويل. ذلك أن التجربة السياسية في بلادنا لم تعد تقرأ التصريحات بوصفها حقائق نهائية، بل إشارات مشفّرة تُستقبل بقدر كبير من الحذر، وربما الشك.
إن هذا التصريح – سواء كان موقفاً نهائياً أو مجرد “بالون اختبار” – قد أطلق بالفعل دينامية جديدة داخل المشهد السياسي، حيث تتزاحم الاجتهادات وتتسابق التوقعات، وتبدأ مراكز القوى في إعادة ترتيب أوراقها على ضوء “فراغ محتمل” في قمة الهرم. وهنا يتبدى الخطر الحقيقي: ليس في مغادرة الرئيس أو بقائه، بل في طبيعة البيئة السياسية التي تحوّل كل إعلان إلى شرارة صراع مكتوم.
الأخطر من ذلك أن يُفهم هذا التصريح – أو يُستثمر – بوصفه دعوة غير مباشرة للالتفاف عليه، من قبل أولئك الذين اعتادوا صناعة الرؤساء أو توجيه مساراتهم. حينها تصبح الإرادة المعلنة للرئيس مجرد تفصيل صغير في لعبة أكبر، عنوانها الصراع على النفوذ، ومضمونها اقتسام ما تبقى من “كعكة الوطن”.
وهنا يطفو على السطح ذلك التناقض المؤلم: بلد يرزح تحت وطأة الفقر والتهميش، في مقابل نخبة تتنازع مغانمه بصمت فاضح. صراع لا تحكمه برامج ولا رؤى، بل توازنات هشّة ومصالح ضيقة، تجعل من الوطن مجرد غنيمة مؤجلة القسمة.
لقد أرهق هذا الواقع المواطن، وأفقده الثقة في خطابات لا تصمد طويلاً أمام اختبار الفعل. فما جدوى إعلان عدم الترشح، إذا كانت البنية السياسية نفسها عاجزة عن إنتاج تداول نزيه وسلس للسلطة؟ وما قيمة النفي، إذا كانت الشكوك تحاصره من كل جانب، وتحوّله إلى مجرد فصل جديد في مسرحية مألوفة؟
إن الأزمة في جوهرها ليست أزمة مأمورية ثالثة، بل أزمة ثقة عميقة بين شعب أنهكته الخيبات، ونخبة لم تفلح في الارتقاء إلى مستوى اللحظة. أزمة تتجلى في عجز مستمر عن بناء تعاقد سياسي واضح، يُحترم فيه الدستور لا كأداة ظرفية، بل كمرجعية ثابتة.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى السؤال معلقاً: هل نحن أمام بداية تصحيح حقيقي لمسار السلطة، أم مجرد إعادة إنتاج لنفس الدائرة المغلقة، بأدوات أكثر نعومة وخطاب أكثر التباساً؟
إن الجواب، للأسف، لا يُقرأ في التصريحات، بل في ما سيتلوها من أفعال. فهناك فقط، حيث تُختبر النوايا، وتسقط الأقنعة.
سيدي عيلال : مستشار جهوي

زر الذهاب إلى الأعلى