على تخوم النار: بين واجب الحياد وحتمية التأثير/ سيدي عيلال

إنّ ما يتلاحق من أحداث في الجارة مالي لم يعد مجرد اضطراب عابر، بل صار مؤشراً مقلقاً على انزلاقٍ تدريجي نحو فوضى قد تتجاوز حدودها الجغرافية، لتلامس عمق الاستقرار الإقليمي برمّته. فالتدهور الأمني، إذا تُرك دون كوابح، لا يعرف خطوطاً حمراء، بل يتمدّد كالنار في الهشيم، يُربك الدول المتاخمة ويهدد نسيجها الاجتماعي والاقتصادي.
ومن هذا المنطلق، فإنّ موقع موريتانيا لا يتيح لها ترف الحياد السلبي، ولا الانخراط الانفعالي؛ بل يفرض عليها حياداً فاعلاً، قوامه الضغط الدبلوماسي الرصين، والسعي الحثيث لاحتواء الأزمة قبل أن تستفحل. ذلك أن وجود جالية موريتانية كبيرة في مالي ليس مجرد معطى ديمغرافي، بل هو التزام أخلاقي وسياسي يقتضي حماية المصالح الإنسانية، وصون الأرواح من تداعيات الانفلات.
لقد أثبتت التجارب أنّ عسكرة الأزمات واستدعاء القوى الخارجية، كما حدث في بعض قرارات السلطات المالية، لا يفضي غالباً إلى استقرار دائم، بل قد يعمّق الاستقطاب ويُحوّل النزاع إلى ساحة تصفية حسابات دولية. وكذلك فإن القرارات السيادية ذات الأبعاد الحساسة—كإعادة تموضع المواقف من قضايا إقليمية أو توجيه اتهامات لدول الجوار—إذا لم تُحَط بحكمة التقدير، فإنها تفتح أبواب التوتر بدل أن توصدها.
وعليه، فإنّ التعاطي العقلاني يقتضي:
الدفع نحو طاولة المفاوضات باعتبارها السبيل الأجدى لتبريد النزاعات؛
تغليب لغة المصالح المشتركة على منطق الاتهام والتخوين؛
وتحصين الفضاء الإقليمي من التحول إلى مسرح صراعات بالوكالة.
إنّ الانحياز في لحظة احتدام الصراع لا يُنتج إلا مزيداً من الشروخ، أما التعقّل والوساطة الرشيدة فهما وحدهما الكفيلان بإعادة التوازن. فموريتانيا، بحكم موقعها وتجربتها، مؤهلة لأن تكون جسر تهدئة لا طرف خصومة، وصوت حكمةٍ في زمن الضجيج.
وفي المحصلة، ليس المطلوب موقفاً صاخباً، بل دوراً مؤثراً؛ دورٌ يُعيد الاعتبار للعقل، ويمنح السلم فرصة أخيرة قبل أن تبتلع الفوضى ما تبقّى من استقرار.