حين يُترك الوطن بين أنياب الطامعين وخذلان القائمين عليه / سيدي عيلال

في زمنٍ تتكاثر فيه العواصف حول البلاد، وتتقاطع على حدودها أطماع المتربصين وخرائط المتصارعين، يبدو الوطن واقفًا على حافة إنهاكٍ ثقيل؛ لا لأن الأخطار الخارجية وحدها بلغت هذا المدى من التوحش، بل لأن الجبهة الداخلية نفسها أُنهكت بخيباتٍ متراكمة، وبنزيفٍ صامتٍ أصاب الثقة العامة في مقتل.
فالوطن اليوم لا تحاصره فقط ارتدادات التوترات الإقليمية، ولا تهدده فقط شظايا الحروب التي تتساقط على تخومه فتزرع القلق في النفوس وتوقظ هواجس السلم الأهلي، بل يواجه أيضًا نوعًا أشد فتكًا من التهديد: خيانة الواجب الوطني حين يتحول بعض من أُوكلت إليهم مسؤولية الحماية والرعاية إلى أطرافٍ في إضعاف الدولة وتمزيق مناعتها المعنوية والاجتماعية.
وفي الوقت الذي تحتاج فيه البلاد إلى يقظةٍ سياسية وأخلاقية تُحصّن الداخل وتجمع الصفوف، تنشغل نخبةٌ مترفة بإهدار مقدرات الشعب في مظاهر النفوذ والامتياز، وكأن الوطن غنيمةٌ مؤقتة لا أمانةٌ تاريخية. تُبدَّد الثروات بلا أثرٍ ينعكس على معيشة الناس، ويُستنزف الحصاد الاقتصادي في دوائر المصالح الضيقة، بينما تتسع الفجوة بين الشعب ومن يحتكرون القرار والثروة والخطاب.
أما النسيج الاجتماعي، الذي ظل لعقود صمام الأمان الأخير، فقد أُضعف بفعل سياسات التفرقة الصامتة، والتغاضي عن أسباب الاحتقان، واستسهال خطاب الكراهية حين يخدم الحسابات العابرة. حتى النخب السياسية، التي يُفترض أن تكون ضميرًا يقظًا للأمة، جرى تدجين كثيرٍ منها بالإغراء أو الإقصاء، فخفت صوت المعارضة الحقيقية، وتراجع منسوب الجرأة الوطنية أمام سطوة المصالح والخوف من العقاب.
ولم تسلم المنظمات الحقوقية والجمعوية من هذا المناخ الخانق؛ إذ أُحيطت بالتضييق والترهيب والتشكيك، حتى صار كثيرٌ منها يتحرك في مساحةٍ ضيقة بين الصمت القسري والترويض الناعم، بينما تُشوَّه التجربة الديمقراطية تدريجيًا عبر إفراغها من معناها الحقيقي، لتتحول الممارسة السياسية إلى واجهات شكلية لا تُطمئن شعبًا ولا تبني دولة.
والمؤلم في كل ذلك أن الوطن، وسط هذا التراكم من الإخفاقات، لا يملك ترف الوقت. فالمنطقة كلها تغلي، والتحولات الدولية لا ترحم الدول الضعيفة أو المنقسمة على نفسها. وكل تصدع داخلي، مهما بدا صغيرًا، قد يتحول في لحظة اضطرابٍ إقليمي إلى ثغرةٍ تنفذ منها الفوضى، أو إلى شرارةٍ تلتهم النزر المتبقي من الطمأنينة العامة.
إن أكثر ما يبعث على الحسرة ليس فقط حجم الأخطار، بل شعور الناس بأن بلدًا يملك من الإمكانات والعمق الاجتماعي والتاريخ المشترك ما يؤهله للنهوض، يُترك اليوم فريسةً للعبث وقِصر النظر، وكأن أحدًا لم يعد يسمع أنين الوطن وهو، تحت وطأة الإهمال والجشع والتنازع الصغير في زمنٍ يحتاج فيه الجميع إلى قدرٍ أكبر من الحكمة والصدق والتجرد.