Uncategorizedالأخبار

حين تُستَخدم الشرائحية ستارًا لإخفاء الفشل الوطني / سيدي عيلال

يثار اليوم، بقلقٍ متزايد، حديثٌ متكرر عن الشرائحية والعنصرية والعنصريين، في مشهدٍ يوشك أن يتحول من نقاشٍ اجتماعي مشروع إلى أداةٍ لإرباك الوعي الوطني وتشتيت الأولويات الكبرى. ولولا أن جزءًا من صناعة الرأي العام المحلي بات، عن قصدٍ أو عن عجز، يعيد تدوير الأزمات نفسها، ويغذي معارك الهامش على حساب جوهر المأساة الوطنية، لتمكنت النخبة من إخماد كثيرٍ من أسباب الإثارة والاحتقان.

فبدل أن تتجه البوصلة نحو محاربة الفساد، وكشف الفشل الإداري، ورفض كبت الحريات، ومساءلة العابثين بثروات الشعب، وحماية العدالة من نفوذ المتورطين والجناة، يجري استنزاف المجال العام في سجالاتٍ تقسِّم المجتمع وتستدعي حساسياته الكامنة، حتى بدا وكأن الوطن مطالبٌ كل يومٍ بخوض معركةٍ جديدة ضد نفسه.

إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه لا يكتفي بإثارة الانقسام، بل يمنح الفاسدين فرصةً ثمينة للاختباء خلف الضجيج، ويحول الأنظار عن جوهر الأزمة الحقيقي: أزمةُ حكمٍ وعدالةٍ وتنميةٍ ومؤسسات. فحين تُستبدل معركة بناء الدولة بمعارك التصنيف الاجتماعي، تصبح الوطنية نفسها ضحيةً للتوظيف والانفعال.

وليس من الحكمة إنكار وجود اختلالات اجتماعية أو مظالم تاريخية تحتاج إلى إنصافٍ ومعالجة، غير أن تحويلها إلى وقودٍ دائم للتجييش والكراهية لا يبني وطنًا، بل يهدد ما تبقى من تماسكه، ويمنح المتربصين فرصة العبث بسلمه الأهلي ووحدته المعنوية.

إن الأوطان لا تُحمى بإثارة الأحقاد، ولا تُبنى بإعادة إنتاج المخاوف والهويات المتصارعة، وإنما تُصان بالعدل، وتكافؤ الفرص، وحرية الكلمة، ومحاسبة الفاسدين، وتجريم نهب المال العام، وترسيخ شعورٍ جامع بأن الدولة ملكٌ لجميع أبنائها لا غنيمةٌ لفئةٍ أو جماعة.

زر الذهاب إلى الأعلى