Uncategorizedالأخبارجديد الأنشطةمقالات

حين تعجز السلطة عن صناعة الوفاق وتُتقن إدارة الانقسام

في ظل أجواء الشحن المتصاعد، وقساوة الظروف المعيشية التي أثقلت كاهل المواطن، والاحتقان السياسي الذي يتوسع بصمتٍ ثقيل، وأزمة توقف الحوار الوطني وما خلّفته من انسدادٍ في الأفق العام، تبدو البلاد وكأنها تُدفع دفعًا نحو مناخٍ مضطرب تتآكل فيه الثقة، وتضعف فيه قدرة المجتمع على احتمال المزيد من الإرباك والخذلان.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول في مثل هذه اللحظات ليس الفقر وحده، ولا التنافس السياسي في حد ذاته، وإنما غياب الإرادة الوطنية الجامعة، وتحول الدولة من مظلةٍ للجميع إلى طرفٍ ضمن معادلات الاصطفاف والصراع. فحين يشعر المواطن أن مؤسسات بلده تُدار بمنطق ترجيح كفةٍ سياسية على أخرى، أو صناعة نفوذ لفئةٍ بعينها على حساب التوازن الوطني، فإن ذلك لا ينتج استقرارًا، بل يؤسس لاحتقانٍ طويل الأمد، تتراكم داخله أسباب الغضب والقطيعة وفقدان الأمل.

لقد أثبتت التجارب أن الأوطان لا تُدار بالتحالفات الظرفية، ولا بإغراءات الولاءات العابرة، ولا بتغذية الأجنحة السياسية ضد بعضها البعض، وإنما تُدار بحكمةٍ تُعلي قيمة الدولة فوق الحسابات الضيقة، وتمنح الجميع شعورًا متساويًا بالإنصاف والانتماء. أما تحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات لإعادة تشكيل الخريطة السياسية وفق رغبات السلطة، فهو مسارٌ قصير النظر، مهما بدا لبعض المنتفعين أنه يحقق مكاسب آنية.

إن البلاد اليوم ليست بحاجة إلى مزيدٍ من الاستقطاب، ولا إلى حملاتٍ إعلامية تُلهي الناس عن أزماتهم الحقيقية، بل تحتاج إلى حلول وطنية خالصة، تُبنى على الصراحة والعدالة واحترام التعدد السياسي، وتستند إلى مشروع إنقاذٍ اقتصادي واجتماعي يعيد للمواطن ثقته في وطنه، لا في الأشخاص والعصبيات والتحالفات المؤقتة.

كما أن تعطيل الحوار الوطني، أو إبقاءه رهينة حسابات التأجيل والمماطلة، لا يزيد المشهد إلا توترًا. فالحوار ليس ترفًا سياسيًا يُستدعى عند الحاجة الدعائية، بل هو صمام أمانٍ للدولة والمجتمع، ووسيلة حضارية لتنفيس الاحتقان، ومعالجة الاختلالات، وتجنيب البلاد منزلقات الانفجار والصدام.

وإذا كانت السلطة تعتقد أن إدارة الأزمات عبر الإنهاك الاقتصادي، أو تشتيت المعارضة، أو شراء الوقت، يمكن أن تصنع استقرارًا دائمًا، فإنها تغفل حقيقةً تاريخية مفادها أن الشعوب قد تصبر طويلًا، لكنها لا تنسى أسباب معاناتها، ولا تسقط من ذاكرتها لحظات الشعور بالإقصاء والغبن وانعدام العدالة.

إن المرحلة تفرض على الدولة أن ترتفع إلى مستوى المسؤولية الوطنية، وأن تُغلب منطق الوطن على منطق الغلبة السياسية، وأن تدرك أن قوة الأنظمة لا تُقاس بقدرتها على التحكم في المشهد، بل بقدرتها على بناء الثقة، وصيانة السلم الأهلي، وفتح المجال أمام شراكة وطنية حقيقية لا مكان فيها للإقصاء ولا للاستثمار في الانقسام.

فالأوطان المنهكة لا تحتمل عبث الحسابات الضيقة، والشعوب المتعبة لا تحتاج إلى مزيدٍ من الخصومات المصنوعة، بل إلى دولةٍ عادلة، تسمع الجميع، وتحمي الجميع، وتتعامل مع الجميع بوصفهم شركاء في الوطن لا أدواتٍ في معركة النفوذ.

سيدي عيلال مستشار جهوي

زر الذهاب إلى الأعلى