حين يُستبدل علاج الأزمات بصناعة الأوهام

الأزمات الاقتصادية والسياسية ليست أحداثا طارئة يمكن تجاوزها بالشعارات، ولا هي مسؤوليات يمكن التخلص منها بإلقائها على كاهل الآخرين. فالدول التي تحترم نفسها تواجه الاختبارات الصعبة بالإرادة والكفاءة والتخطيط، أما حين يصبح الهروب من مواجهة الواقع سياسة، فإن الأزمات لا تنحسر بل تتفاقم وتتراكم حتى تتحول إلى تهديد مباشر للاستقرار الاجتماعي والسياسي.
وفي ظل الاضطرابات الاقتصادية العالمية التي ألقت بظلالها على مختلف دول العالم، كان المنتظر من السلطة أن تبحث عن السبل الكفيلة بحماية الفئات الهشة والتخفيف من آثار الغلاء وتراجع القدرة الشرائية، وأن تجعل من مصلحة المواطن البسيط أولوية لا تقبل المساومة. غير أن أسهل الحلول غالبا ما تكون أكثرها قسوة؛ إذ يكفي قرار إداري لرفع أسعار المحروقات حتى تمتد آثاره إلى النقل والمواد الغذائية والخدمات الأساسية، فتتحول معاناة المواطن اليومية إلى عبء أثقل مما كانت عليه.
والأخطر من ذلك أن هذه القرارات كثيرا ما تمر وسط صمت سياسي لافت، وكأن الطبقة السياسية فقدت إحساسها بنبض الشارع وآلام الناس، أو آثرت الانشغال بحساباتها الخاصة على حساب واجبها في الدفاع عن مصالح المواطنين. فالنخب الحقيقية لا تُقاس بمدى قربها من السلطة، وإنما بقدرتها على قول كلمة الحق حين يصبح الصمت شكلا من أشكال التواطؤ مع المعاناة العامة.
وفي الوقت الذي تتطلب فيه المرحلة توحيد الجهود وتحصين الجبهة الداخلية، يلاحظ المتابع تناميا مقلقا لبعض الخطابات الشرائحية والعنصرية التي تجد من يغذيها أو يتسامح معها أو يستثمر فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وهي سياسة قصيرة النظر، لأن اللعب على التناقضات الاجتماعية قد يحقق مكاسب ظرفية لبعض الأطراف، لكنه يزرع في المقابل بذور الانقسام والاحتقان داخل المجتمع.
لقد أثبت التاريخ في أكثر من بلد أن الحرائق التي تُشعلها الحسابات الضيقة لا تلبث أن تخرج عن سيطرة من أشعلها. فالعنصرية حين تتحول إلى أداة سياسية لا تميز بين مؤيد ومعارض، ولا بين سلطة ومجتمع، بل تلتهم الجميع وتدفع الأوطان نحو مسارات خطيرة يصعب احتواؤها بعد ذلك. ومن يظن أنه قادر على توجيه نار الفتنة حيث يشاء واهم؛ لأن النار إذا اشتعلت لا تعترف بالحدود ولا بالتوازنات التي رسمها أصحاب المصالح.
إن التحدي الحقيقي أمام أي نظام سياسي ليس في قدرته على تبرير الأزمات أو إيجاد الخصوم الذين يحملهم مسؤولية الإخفاقات، بل في قدرته على تقديم حلول عملية تخفف أعباء المواطنين وتحفظ وحدة المجتمع وتمنع تحويل الاختلافات الطبيعية بين مكوناته إلى مشاريع صراع دائم. فالقادة الأوفياء والنخب الوطنية الأصيلة لا يختبئون خلف الأزمات، بل يواجهونها بشجاعة، ويجعلون من مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، لأن الأوطان تبنى بالتضامن والعدل والمسؤولية، لا بإثارة المخاوف ولا بصناعة الأوهام ولا بإشغال الناس بمعارك جانبية عن قضاياهم الحقيقية.
وإذا كان الغلاء يرهق المواطن، فإن أخطر من الغلاء أن يفقد الناس الثقة في أن معاناتهم تجد من يسمعها ويعمل على رفعها. وحينها لا تصبح الأزمة اقتصادية فحسب، بل تتحول إلى أزمة ثقة، وهي من أصعب الأزمات وأشدها أثرا على استقرار الدول ومستقبلها و المتابع لواقع الحال عندنا يدرك بسهولة اننا نغوص في وحل فقدان الثقة و لا مبالات النخبة .
سيدي عيلال
مستشار جهوي