بين نجاح القبضة وحدودها.. قراءة في تجربة وزير الداخلية الموريتاني

منذ تسلّمه حقيبة الداخلية، بدا واضحًا أن الوزير السيد محمد أحمد ولد محمد الأمين قد رسم لنفسه أولويات لا تقبل التردد، وأنه أدرك مبكرًا أن بقاءه في هذا المنصب مرهون بقدرته على تحقيق ما تريده السلطة من استقرار، أكثر من ارتباطه برضا الفاعلين السياسيين أو منظمات المجتمع المدني. ولذلك انصرف إلى بناء إدارة أمنية منضبطة، وإحكام أدوات المتابعة والرقابة، حتى غدت وزارة الداخلية، خلال سنوات قليلة، أكثر الوزارات حضورًا في تفاصيل المشهد السياسي والمدني.
لقد نجح الوزير، من منظور الدولة، في تحصين النظام من كثير من الهزات، وأحكم السيطرة على المجال العام، وضيّق مساحة الاحتجاجات غير المرخصة، وأخضع التظاهر لضوابط أكثر صرامة، كما أعاد تنظيم المشهد الحزبي والجمعوي وفق النصوص القانونية، فبرزت الوزارة باعتبارها الفاعل الأكثر تأثيرًا في رسم حدود الحركة السياسية والمدنية.
ولعل هذا النجاح هو ما يفسر طول بقائه في منصبه، في وقت تعاقبت فيه الحكومات وتبدلت الوجوه. فالسلطات، في الغالب، لا تتمسك بالمسؤولين إلا إذا أثبتوا قدرتهم على إدارة الملفات التي تمثل أولوية لديها، ويبدو أن وزير الداخلية استطاع أن يقدم نفسه بوصفه رجل المرحلة في هذا الجانب.
غير أن النجاح الإداري والأمني، مهما اتسعت دوائره، لا يعفي صاحبه من مساءلة المجتمع عن الملفات التي لم تبلغ المستوى ذاته من العناية.
ومن أبرز تلك الملفات قضية جمع التبرعات، التي تحولت، مع العدوان على غزة، إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للنقاش. فقد كان التضامن الشعبي في أوجه، وكانت الرغبة في الإغاثة تعم مختلف فئات المجتمع، لكن طريقة إدارة الملف أفرزت جدلًا واسعًا، وتبادلت خلاله أطراف متعددة الاتهامات، وطالت الشبهات شخصيات إسلامية معروفة، كما وُجهت أصابع الاتهام إلى بعض الجمعيات الخيرية بالتربح أو بغياب الشفافية، فأصبح العمل الخيري نفسه موضع مساءلة، بعد أن كان محل إجماع وثقة.
وكان المنتظر أن يُدار هذا الملف بما يحقق التوازن بين الرقابة الواجبة وحماية الثقة العامة، حتى لا يتحول تنظيم الإحسان إلى تضييق عليه، ولا تتحول مكافحة التجاوزات إلى تشكيك في كل المبادرات الإنسانية.
ومن جهة أخرى، لا يمكن تجاهل أن هذه المرحلة شهدت سقوط ضحايا داخل السجون، كما شهدت بعض الاحتجاجات سقوط قتلى وجرحى، وهي وقائع تركت أثرًا بالغًا في الضمير العام، وأثارت أسئلة مشروعة حول حدود استخدام القوة، وضمانات المحاسبة، ومدى قدرة الدولة على صيانة الأمن دون أن تمس بحق الإنسان في الحياة والكرامة.
فالدولة القوية ليست تلك التي تفرض النظام فحسب، وإنما تلك التي تجعل القانون مظلة للجميع، وتحول دون أن يدفع المواطن ثمنًا باهظًا لمجرد اختلافه أو احتجاجه أو وجوده تحت سلطة الاحتجاز.
لقد نجح الوزير، بلا شك، في الملفات التي كانت تمثل أولوية للسلطة، واستطاع أن يحافظ على استقرار المشهد، وأن يرسخ حضوره داخل المؤسسة التنفيذية، لكن التجارب السياسية تُعلّم أن الأمن ليس غاية في ذاته، وإنما وسيلة لبناء مجتمع أكثر طمأنينة وعدلًا. وكل نجاح لا تكتمل أركانه إلا إذا اقترن بحماية الحقوق، وتعزيز الثقة، وفتح المجال أمام
المبادرات الإنسانية والمدنية لتؤدي رسالتها في إطار من القانون والشفافية.
ويبقى التاريخ، في نهاية المطاف، أقل انشغالًا بطول بقاء المسؤول في منصبه، وأكثر اهتمامًا بالأثر الذي تركه في حياة الناس. فربما تُنسى القرارات، وتتبدل الحكومات، لكن ذاكرة الشعوب تحتفظ دائمًا بمن جمع بين هيبة الدولة وعدلها، وبين قوة القانون ورحمة الإنسان.