Uncategorizedالأخبارجديد الأنشطةمقالات

الحوار الذي يخشى المختلفين… لا يصنع توافقًا وطنيًا

ليس منطقًا أن يُرفع شعار “الحوار الوطني الشامل”، ثم يُستثنى منه أصحاب الثقل السياسي والانتخابي والحقوقي. فالحوار لا يكون وطنيًا إلا إذا اتسع لجميع الوطنيين، ولا يكون شاملًا إذا بُني على الانتقاء والإقصاء.

إن استبعاد النائب بيرام الداه اعبيد، وهو ثاني أكثر المرشحين حصولًا على أصوات الناخبين في آخر انتخابات رئاسية، ليس مجرد غياب لشخص، بل تغييب لشريحة واسعة من المواطنين الذين اختاروه ممثلًا لتطلعاتهم. كما أن استمرار إقصاء الرئيس السابق وأنصاره، إلى جانب عشرات النشطاء السياسيين والحقوقيين، وأصحاب مشاريع الأحزاب السياسية التي حُرمت من الترخيص أو أُغرقت في متاهات الشروط والإجراءات، يُفرغ هذا الحوار من مضمونه، ويُسقط عنه أهم مقوماته.

فالحوار لا يُقاس بعدد المدعوين، وإنما بقيمة الغائبين. وكلما كان الغائبون يمثلون قوى جماهيرية وازنة، كان النقص في شرعية الحوار أكبر، وكانت مخرجاته أضعف، مهما حظيت بالترويج أو الزخم الإعلامي.

إن الدول الواثقة من نفسها تُحاور معارضيها قبل مؤيديها، وتستمع إلى خصومها قبل أن تستأنس بأصوات أنصارها، لأنها تدرك أن صناعة الاستقرار لا تكون بإقصاء المختلف، وإنما بإشراكه وتحويله من طرف في الأزمة إلى شريك في الحل.

أما الإصرار على انتقاء المشاركين وفق معايير الولاء أو القبول المسبق، فلا ينتج حوارًا، بل يصنع مشهدًا سياسيًا مغلقًا، تُوزَّع فيه الأدوار مسبقًا، وتُكتب نتائجه قبل أن تبدأ جلساته.

إن تجاهل هذا الطيف الواسع من الفاعلين في الشأن العام لا يبعث برسالة طمأنة، بل يبعث برسالة مفادها أن المطلوب هو إضفاء شرعية على خيارات جاهزة، لا البحث عن حلول وطنية حقيقية. ولذلك فإن أول ضحايا هذا النهج هي الثقة، وثانيها المصداقية، وثالثها فرص النجاح.

إن إقصاء الرئيس السابق وأنصاره، واستبعاد النائب بيرام الداه اعبيد وجمهوره، وتهميش عشرات القوى السياسية والحقوقية والمدنية، لن يُنهي الخلاف، بل سينقله من قاعات الحوار إلى ساحات الاحتقان، ويضيف بؤر توتر جديدة إلى مشهد وطني مثقل أصلًا بالأزمات والتحديات.

ومن هنا، فإن أكبر ما يهدد هذا الحوار ليس اختلاف المشاركين، وإنما غياب المختلفين. فالحوار الذي يخشى الأصوات المخالفة لا يمتلك القدرة على صناعة توافق، والذي يعجز عن استيعاب خصومه لن يستطيع أن يؤسس لاستقرار دائم.

إن الأوطان لا تُبنى بالإقصاء، ولا تُدار بالانتقائية، ولا تُحصَّن بإسكات الأصوات المؤثرة. وإنما تُبنى حين يجلس الجميع إلى طاولة واحدة، متساوين في الحق في التعبير والمشاركة، لأن الحوار الذي لا يتسع للجميع، لن يُلزم الجميع، ولن يُنهي خلافًا، ولن يصنع مستقبلًا يتسع للوطن بأسره.
إن الحوار الذي يبدأ بإقصاء أصحاب الوزن السياسي والشعبي، لا ينتهي إلى وفاق وطني، بل إلى وثيقة تُوقّعها قلة، وترفضها أغلبية، ويبقى الوطن هو الخاسر الأكبر.
سيدي عيلال : مستشار جهوي

زر الذهاب إلى الأعلى