الدستور ليس إرثًا شخصيًا… بل ميثاق الأمة وضمانة المستقبل

الدستور ليس وثيقةً عابرة تُصاغ على مقاس الأشخاص، ولا نصًّا مرنًا يُعاد تشكيله كلما تغيّرت الموازين أو تبدّلت الرغبات السياسية، وإنما هو العقد الجامع الذي ارتضاه الموريتانيون ليكون السقف الذي يحتكمون إليه، والضمانة التي تصون دولتهم من نزوات الأفراد وتقلبات المصالح. ومن هنا، فإن مطالبة بعض رموز النخبة بتعديل المواد المتعلقة بالمأموريات وسنّ الترشح تمثل، في جوهرها، انتكاسةً سياسية وفكرية، وتراجعًا عن أحد أهم المكاسب التي راكمتها البلاد في مسارها نحو ترسيخ النظام الديمقراطي وتكريس مبدأ التداول السلمي على السلطة.
إن المؤسف حقًا أن تنصرف أصوات كان المنتظر منها أن تتصدر معركة الدفاع عن الحريات العامة، وأن تقود مواجهة التشريعات المقيدة لحرية الرأي والتعبير، وفي مقدمتها ما يُعرف بقانون الرموز، إلى الانشغال بفتح أبواب التأبيد السياسي، وإحياء فكرة بقاء الحاكم رهينًا للسلطة أو بقاء السلطة رهينةً للحاكم. وكأن أزمة الوطن تكمن في ضيق النصوص الدستورية، لا في ضعف الالتزام بها، أو في غياب العدالة في تطبيقها.
إن تمجيد الأشخاص، مهما بلغت إنجازاتهم، لا ينبغي أن يسمو فوق تمجيد الدولة ومؤسساتها. فالرجال يرحلون، أما الأوطان فتبقى، والدساتير إنما وُجدت لتحمي الأوطان من هيمنة الأفراد، لا لتُسخَّر لخدمتهم. وما راكمه الموريتانيون، عبر عقود من التجربة السياسية والتوافق الوطني، من مواثيق وضمانات دستورية، أحق بالحماية والتطوير والتجويد من أن يُعرَّض للاهتزاز كلما برزت رغبة في استثناء شخص أو مجاملة زعيم.
واللافت في هذا الجدل أن المستفيدين المفترضين من هذه التعديلات قد أعلن بعضهم، في أكثر من مناسبة، عدم رغبته في المساس بالدستور أو تعديل مقتضياته المتعلقة بالمأموريات، الأمر الذي يجعل هذه الدعوات أكثر غرابة، ويطرح تساؤلات مشروعة حول دوافعها الحقيقية، وحول ما إذا كانت تعبر عن حرص على الدولة، أم عن نزعة لإعادة إنتاج ثقافة الشخصنة التي دفعت شعوبًا كثيرة أثمانًا باهظة للتخلص منها.
إننا، في الحقيقة، نواجه تيارًا رجعيًا في التفكير السياسي، وإن ارتدى ثوب النخبة. تيارًا لا يزال ينظر إلى الدولة من زاوية الأشخاص، لا من زاوية المؤسسات، ويؤمن بأن الأوطان تُبنى بالزعامات الدائمة، بينما تؤكد تجارب الأمم أن الدول القوية هي التي تُبنى على قوة القانون، واستقلال المؤسسات، واحترام الدستور، لا على بقاء الأفراد في مواقع الحكم.
واليوم، تحتاج موريتانيا إلى كل صوت صادق يدافع عن دولة المواطنة والحقوق، ويغرس في وعي الأجيال أن احترام القانون ليس خيارًا سياسيًا، بل قيمة حضارية، وأن صيانة الدستور واجب وطني لا يقل أهمية عن صيانة الحدود والسيادة. كما تحتاج إلى ترسيخ ثقافة تؤمن بأن التداول السلمي على السلطة ليس تهديدًا للاستقرار، بل هو أحد أهم شروط استدامته.
أما الزعماء الحقيقيون، فلا يخلدهم تعديل الدساتير، ولا تمدد أعمارهم السياسية كثرة المأموريات، وإنما يخلدهم ما يتركونه من آثار خالدة في حياة شعوبهم: مؤسسات قوية، وعدالة راسخة، وتنمية مستدامة، وحريات مصونة، ودولة جمهورية يحكمها القانون، لا الأهواء. فالتاريخ لا يحفظ عدد سنوات الحكم، وإنما يحفظ قيمة ما أُنجز خلالها، ويمنح الخلود لمن جعل من الجمهورية مشروعًا دائمًا، لا لمن جعلها وسيلة لتمديد البقاء في السلطة.
سيدي عيلال : مستشار جهوي