خلف صفوف التصفيق… وجهٌ آخر للزيارة.

بعد مدينة أطار، التي تاه مجرى ينبوعها العذب بعدما أكلت السنون ما ادّخرته سواعد الصابرين، وقبل مدينة أكجوجت، الغارقة في روائح السموم، والسّابحة آلامُ معاولها فوق صفحاتٍ من أثقال الأرض وثرواتها، عليكم، السيد الرئيس، أن تقرؤوا صورة الحرمان الممتدة من أمّ التونسي إلى حاضرة شوم.
اقرؤوها بعيدًا عن عدسات الاحتفاء، وخلف ستائر الحشود المصطفّة لاستقبالكم؛ فهناك، وراء الصفوف الأولى، وجوهٌ لا تصنعها المهرجانات، وأجسادٌ أكل التعب أطرافها، وعيونٌ أضناها الانتظار، وأكفٌّ خشنتها المعيشة، وبيوتٌ طال عليها ليل الحاجة.
سترونها، إن أتيح لكم أن تنظروا بعيدًا عن الصورة المهيّأة لكم، تلك الوجوه التي لا تستطيع أن تنافس على مقدمة الصف، ولا تملك وسيلةً لتصنع لنفسها حضورًا في مشهدٍ تتقدّم فيه الأعلام والهتافات والخطب على وجع الناس.
إنها القلة التي حضرت لا لتزاحم على موائد الخطاب، ولا لتنافس الوافدين على لحظةٍ في عدسةٍ عابرة، وإنما جاءت بما تبقّى لها من رجاء، تبحث عن فسحةٍ يسمع فيها صوتها، وعن كلمةٍ تصل إلى صاحب القرار قبل أن ينفضّ الجمع، وتعود السيارات إلى العاصمة، وتعود الحارات إلى صمتها القديم.
وخلف سراب الحشود، ستجدون سكانًا يريدون أن يقولوا لكم، ببساطةٍ لا تحتاج إلى مكبّرات صوت: إن وراء كل طريقٍ احتفالي طريقًا آخر محفوفًا بالحاجة، وإن وراء كل تصفيقٍ طويل صمتًا أثقل منه، وإن وراء كل صورةٍ مكتملة الإخراج واقعًا لا تكفيه الصورة.
لا تجعلوا، السيد الرئيس، كثافة الحضور تحجب عنكم كثافة الحرمان.
فليس كل من وقف في الصفوف الأولى ممثلًا للمدينة، وليس كل من رفع صوته بالهتاف قادرًا على نقل أنين الذين لم يجدوا لأنفسهم موضعًا في المشهد. وقد تكون الحقيقة، أحيانًا، في ذلك الوجه الذي لم تصله الكاميرا، وفي ذلك الرجل الذي ظلّ بعيدًا عن المنصة، وفي تلك المرأة التي عادت إلى بيتها قبل أن يبدأ التصفيق، لأن عليها أن تواجه مساءً آخر من هموم المعيشة.
إن الزيارة الرئاسية لا ينبغي أن تتحول إلى امتحانٍ في حسن الإخراج، ولا إلى مسابقةٍ في صناعة المشهد، ولا إلى مناسبةٍ تُستبدل فيها حقيقة الواقع بصورةٍ معدّة بعناية لتبدو البلاد أكثر عافيةً مما هي عليه.
الرئيس لا يحتاج إلى من يجمّل له الطريق؛ بل يحتاج إلى من يدلّه على مواضع الحفر.
ولا يحتاج إلى من يحجب عنه الوجع؛ بل إلى من يضعه أمامه كما هو، بلا مساحيق ولا رتوش.
فإن كانت الغاية من الزيارة أن تُسمع أصوات الناس، فدعوا الناس يتحدثون. وإن كانت الغاية أن تُعرف حاجات المدن، فلا تختاروا من يتحدث عنها وفق ما يرضي المشهد. وإن كان المقصود أن يرى الرئيس حقيقة ما يجري، فليخرج قليلًا من هندسة الاستقبال إلى عفوية الشارع، وليقرأ ما بين البيوت، وما خلف الواجهات، وما تقوله العيون حين تعجز الألسنة عن الكلام.
فالمواطن الذي ينتظر الماء، والكهرباء، والطريق، والعمل، والصحة، والتعليم، لا تعنيه كثيرًا هندسة المنصة ولا طول الخطب ولا كثافة التصفيق.
إنه يريد دولةً تراه كما هو، لا دولةً تراه كما يراد للصورة أن تُظهره.
ومن أطار إلى أكجوجت، ومن أمّ التونسي إلى شوم، ليست الحكاية حكاية مدنٍ متباعدة فحسب؛ إنها صفحات متصلة من سؤالٍ واحد: ماذا بقي من ثمار الأرض في أيدي أهلها؟ وماذا بقي من وعود التنمية في حياة الذين يعيشون على هامش الثروة، وتحت ظلّ الحاجة؟
هناك أرضٌ تختزن المعادن، لكن أهلها يختزنون الأسئلة.
وهناك مدنٌ مرّت عليها مواكب المسؤولين، لكن مواكب الفقر والحاجة لم تغادرها.
وهناك ثرواتٌ تُستخرج من أعماق الأرض، بينما لا يزال كثير من أبنائها ينقبون عن فرصةٍ في الحياة.
فلا تجعلوا، السيد الرئيس، الحشود القادمة من العاصمة جدارًا بينكم وبين أهل الأرض.
دعوا الصورة تنكسر قليلًا، لعل الحقيقة تظهر.
دعوا الصفوف تتراجع خطوة، لعل وجه المدينة يتقدم.
ودعوا الذين لم يجدوا مقعدًا على المنصة، ولا مكانًا في الصفوف الأولى، ولا قدرةً على شراء الهتاف، يقولون كلمتهم.
فربما كان أكثر ما تحتاجه هذه الزيارة ليس مزيدًا من التصفيق، وإنما لحظة صدقٍ واحدة؛ لحظة ينظر فيها الرئيس إلى مدينةٍ بلا حشود، وإلى قريةٍ بلا زينة، وإلى مواطنٍ بلا وسيط، ثم يسأل نفسه: كيف يعيش هؤلاء بعيدًا عن الصورة التي رأيتها اليوم؟
تلك، السيد الرئيس، هي الصورة التي تستحق أن تُحمل.
أما الصورة التي تُلتقط من الجو، وتُسوّق عبر الطريق، ثم تُغلق عليها صفحات الاحتفاء، فقد تكون جميلةً في إطارها، لكنها لن تستطيع طويلًا أن تخفي تجاعيد الحرمان، ولا وهن الحاجة، ولا عرق الكفاح على جباه الذين ظلوا خارج الكادر.
سيدي عيلال / مستشار جهوي