ما الغرض من الزيارة؟

إن الحديث عن زيارات رئاسية إلى ولايتي إينشيري وآدرار، في ظل ما تعانيه مدنهما وأريافهما من أزمات متراكمة في الماء والكهرباء والتشغيل والظروف المعيشية، لا يمكن أن يكتفي بوصف المواكب، وتعداد المستقبلين، وتبادل عبارات الترحيب؛ فالمواطن الذي أنهكه العطش، وأثقلته البطالة، وأرهقه غلاء المعيشة، لا ينتظر من السلطة صورةً جديدةً في سجل الزيارات، وإنما ينتظر جوابًا عمليًا عن أسئلة حياته اليومية.
وحين يأتي الحديث عن التنمية إلى مناطقٍ تختزن من الثروات والطاقات ما يكفي لأن تكون شريكًا حقيقيًا في بناء الوطن، ثم يبقى أهلها يتساءلون عن الماء والعمل والخدمات الأساسية، يصبح من المشروع أن يُطرح السؤال بصراحة: أين تذهب ثمار التنمية، ومتى تتحول الوعود إلى واقع يلمسه المواطن؟
ثم إن الزيارة الرئاسية، في معناها السياسي والأخلاقي، ينبغي أن تكون فرصةً للاستماع قبل أن تكون مناسبةً للخطابة، وللاعتراف بمواطن الخلل قبل استعراض ما تحقق. فالرئيس لا يحتاج إلى أن يسمع ما يرضيه فقط، بل يحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى أن يسمع صوت القرية المهمشة، والشاب العاطل، والأسرة التي تبحث عن الماء، والمواطن الذي يرى الخدمات تتراجع من حوله.
ويزداد السؤال إلحاحًا حين تتزامن الزيارة مع مناخٍ يشعر فيه بعض المواطنين بأن أدوات الدولة تُستخدم بقسوة في مواجهة المخالفين، بينما تُثار في المجال العام قضايا تتعلق بالحقوق والحريات وبمعاملة بعض الخصوم السياسيين، ومنها قضية العلاج التي أصبحت محل جدل واسع. وهنا لا يعود الأمر متعلقًا بزيارة جغرافية لولايات بعينها، بل بصورة الدولة التي يريد المواطن أن يراها: دولةً تستوعب الاختلاف، وتصون الحقوق، وتحتكم إلى القانون، ولا تجعل الخلاف السياسي سببًا للحرمان من حق أساسي كالعلاج.
لقد طرح الرئيس، في أكثر من مناسبة، تساؤلاتٍ على المشهد الوطني، وكان ينتظر منه كثيرون أن يقدم إجاباتٍ واضحة عن جملة من القضايا التي تشغل الرأي العام. لكن بعض هذه الأسئلة ما زال مفتوحًا، وبعض الأجوبة ما زالت غائبة، الأمر الذي يجعل الزيارة نفسها مدخلًا إلى سؤال أشمل وأكثر إلحاحًا:
ما الغرض الحقيقي من هذه الزيارة؟ ولماذا تأتي في هذا التوقيت تحديدًا؟ وهل جاءت لتسمع السلطة نبض السكان كما هو، أم لتُسمِع السكان ما تريد السلطة أن يُقال؟
ثم سؤال آخر لا يقل أهمية: هل أدرك الرئيس أن الحماس الشعبي لا يُقاس بعدد السيارات المصطفة على جوانب الطرق، ولا بعدد اللافتات والهتافات، ولا بحجم الحشود التي تستطيع أجهزة الدولة أو المنتخبون تعبئتها؟
إن الحماس الحقيقي يُقاس بمدى تعلق المواطن بالأمل، وثقته في مؤسسات الدولة، وإيمانه بأن زعيم البلاد جاء ليسمعه ويحل مشكلاته، لا ليكتفي بمرور عابر تسبقه المواكب وتغادر بعده الكاميرات.
وإذا كان المواطن في بعض المحطات التي تمت زيارتها حتى الآن لا يشعر بذلك الحماس المأمول، فإن تجاهل الإشارة ليس سياسةً حكيمة؛ لأن الصمت الاجتماعي لا يعني دائمًا الرضا، وغياب الاحتجاج لا يعني بالضرورة غياب الألم. وقد يكون أخطر ما يمكن أن تفعله السلطة أن تخلط بين هدوء الناس وبين اقتناعهم، أو بين صمتهم وبين رضاهم.
إن إينشيري وآدرار ليستا مجرد محطتين على خريطة زيارة رئاسية؛ إنهما جزء من ذاكرة الدولة، ومن اقتصادها، ومن تاريخها السياسي والاجتماعي، ومن مناطق قدمت للوطن رجالًا وثروات وتضحيات، ومن حق أهلها أن يسألوا: ماذا أخذنا من الوطن، وماذا أخذ الوطن منا، وماذا بقي لنا من وعود التنمية؟
لقد آن أن تُقاس الزيارات الرئاسية بما تتركه وراءها، لا بما تسبقه من ضجيج. بالماء الذي يصل إلى المواطن، وبفرصة العمل التي تُفتح للشاب، وبالخدمة الصحية التي تحفظ كرامة المريض، وبالمدرسة التي تؤدي رسالتها، وبالكهرباء التي لا تنقطع، وبالإدارة التي تعامل المواطن باعتباره صاحب حق لا طالبَ مِنّة.
أما أن تمر القوافل الرسمية، وتُرفع الشعارات، وتُلتقط الصور، ثم يعود المواطن إلى عطشه وبطالته وفقره وأسئلته القديمة، فذلك لا يصنع تنميةً ولا يبني ثقةً ولا يجيب عن السؤال الذي يزداد حضورًا في الشارع:
لماذا جئتم إلينا الآن، وماذا ستتركون لنا بعد أن تغادروا؟
وهذا السؤال، مهما حاول البعض حجبه بالهتاف، سيظل قائمًا؛ لأن المواطن لا يعيش على وقع الموكب، وإنما يعيش على الماء والخبز والعمل والكرامة والعدل.
سيدي عيلال مستشار جهوي