موريتانيا على مفترق الطرق: الحوار والمأمورية والاقتصاد وسؤال الدولة

تدخل موريتانيا خريف سنة 2026 وهي أمام مشهد سياسي تتداخل فيه ملفات عديدة، بعضها قديم لم يجد طريقه إلى الحسم، وبعضها جديد بدأ يفرض نفسه بقوة على النقاش العام. وبينما تستعد البلاد لاستحقاقات الحوار السياسي، وتتحرك الحكومة في ملفات التنمية والاستثمار، يتصاعد في المقابل الجدل حول مستقبل التداول على السلطة، والحريات، والملفات القضائية ذات الحساسية السياسية، في وقت لا تزال فيه تحديات الاقتصاد والخدمات الأساسية حاضرة بقوة في حياة المواطنين.
ولعل أخطر ما يميز المرحلة الحالية ليس وجود خلاف سياسي بحد ذاته، فهذا أمر طبيعي في المجتمعات الديمقراطية، وإنما أن تتقاطع عدة ملفات في لحظة واحدة: الحوار السياسي، وحدود المأمورية الرئاسية، ومصداقية المؤسسات، والوضع الاقتصادي والاجتماعي، والثقة بين السلطة والمعارضة والمواطن.
الحوار الوطني… من فرصة للتوافق إلى اختبار للثقة
ظل الحوار السياسي المرتقب حاضراً في المشهد الموريتاني منذ فترة طويلة، غير أن مساره عرف تعثراً وتأجيلاً، قبل أن تعود التحركات التمهيدية إلى الواجهة. وقد دُعي قادة الأقطاب السياسية المشاركة إلى اجتماعات تمهيدية بهدف تحريك المسار من جديد.
لكن نجاح أي حوار لا يقاس بمجرد انعقاد جلساته، وإنما بقدرته على معالجة الأسئلة التي تشغل المجتمع فعلاً.
فإذا كان الحوار سيبحث في تحسين النظام السياسي، وضمان الحريات، وترسيخ استقلال المؤسسات، ومحاربة الفساد، وتحسين الحكامة، وتطوير الاقتصاد والخدمات، فإنه يمكن أن يشكل مساحة وطنية مهمة لتقريب المواقف.
أما إذا تحول إلى مجرد مناسبة لتبادل الخطابات السياسية أو إعادة ترتيب مواقع القوى الموجودة أصلاً، فإن الفجوة بين المواطن والسياسة قد تتسع أكثر.
المأمورية الثالثة… السؤال الذي عاد إلى الواجهة
المتغير الأكثر حساسية خلال الأسابيع الأخيرة هو خروج الحديث عن مأمورية رئاسية ثالثة من دائرة الهمس إلى المجال العلني.
فقد ظهرت دعوات سياسية وشعبية تطالب ببقاء الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في السلطة لمأمورية ثالثة، في حين أعلنت قوى معارضة رفضها لأي تعديل يسمح بذلك، وربطت المسألة باحترام الدستور والتداول السلمي على السلطة.
وهنا ينبغي التفريق بين أمرين:
وجود دعوات سياسية للمأمورية الثالثة حقيقة موثقة، أما تحويل هذه الدعوات إلى مسار دستوري أو قرار سياسي رسمي فمسألة أخرى لم تتحول، حتى الآن، إلى واقع دستوري.
ولهذا فإن السؤال الأهم ليس فقط: هل توجد أصوات تطالب بمأمورية ثالثة؟ وإنما: كيف ستتعامل الدولة ومؤسساتها السياسية مع هذا النقاش؟
فالاستقرار السياسي لا يقوم فقط على بقاء الأشخاص، وإنما كذلك على وضوح قواعد التداول، واحترام المؤسسات، وإمكانية انتقال السلطة وفق قواعد يفهمها الجميع ويثقون بها.
المعارضة أمام امتحان مختلف
المعارضة الموريتانية بدورها أمام اختبار لا يقل أهمية.
فرفض المأمورية الثالثة أو انتقاد أداء الحكومة لا يكفي وحده لصناعة بديل سياسي مقنع. المطلوب أيضاً تقديم تصورات عملية حول الاقتصاد، والتعليم، والصحة، والتشغيل، والفساد، وإدارة الموارد، والعلاقات الخارجية، والأمن، وتقديم خطاب يستطيع أن يخاطب المواطن خارج الاصطفافات التقليدية.
وفي المقابل، فإن قوة المعارضة لا ينبغي أن تكون مبرراً لتضييق المجال العام، كما أن قوة الأغلبية لا ينبغي أن تعني غياب النقد والمساءلة.
المعادلة الصحية هي أن تكون الحكومة قوية بإنجازها، والمعارضة قوية بحجتها، والمؤسسات أقوى من الطرفين.
ملف ولد عبد العزيز… قضية تتجاوز شخصاً إلى سؤال المؤسسات
ولا يزال ملف الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز حاضراً في المشهد السياسي والحقوقي، خصوصاً مع استمرار النقاش حول وضعه وظروف سجنه والعلاج، إلى جانب الجدل المتعلق بمساره القضائي.
وبغض النظر عن المواقف المتباينة من الرجل أو من الحكم الصادر بحقه، فإن أهمية الملف تكمن في كونه اختباراً لصورة العدالة والمؤسسات في نظر المجتمع.
فالقاعدة التي ينبغي أن تستقر في دولة القانون هي أن الخصومة السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى خصومة مع الحقوق، كما لا ينبغي أن تتحول المطالبة بالحقوق إلى طعن تلقائي في استقلال القضاء.
ولهذا فإن أفضل حماية للمؤسسات ليست منع النقاش حول القضايا الحساسة، وإنما جعل إجراءاتها واضحة وقابلة للفحص والرقابة، بحيث يستطيع المواطن أن يميز بين الحكم القضائي، والموقف السياسي، والادعاء الإعلامي.
التنمية… من خطاب الزيارة إلى سؤال النتائج
جولة الرئيس الأخيرة في آدرار وإنشيري أعادت بدورها النقاش حول التنمية المحلية.
فقد شملت الزيارة مختلف مقاطعات آدرار، ثم أكجوجت وبنشاب في إنشيري، وتضمنت لقاءات مباشرة مع السكان والاستماع إلى مطالب تتعلق بالمياه والكهرباء والصحة والتعليم والطرق وفك العزلة والأنشطة الاقتصادية.
وهنا يبرز سؤال بسيط لكنه جوهري:
ماذا سيبقى من الزيارة بعد مغادرة الوفد الرئاسي؟
فالاستقبال الجماهيري، مهما كان حجمه، لا يقيس وحده مستوى الرضا عن السياسات العامة. المعيار الحقيقي هو أن يرى المواطن الماء متاحاً، والكهرباء مستقرة، والطريق صالحاً، والمدرسة تعمل، والمركز الصحي يؤدي وظيفته، والشاب يجد فرصة للعمل.
وفي هذا السياق، أعلنت السلطات عن مشاريع واستثمارات موجهة إلى آدرار، كما تحدث الرئيس خلال الزيارة عن حجم الاستثمارات العمومية في الولاية منذ 2019 ومشاريع في الكهرباء والطرق والمياه.
ويبقى التحدي هو الانتقال من الاعتماد على الأرقام المعلنة إلى قياس أثرها الفعلي على حياة السكان.
الاقتصاد: مؤشرات تحتاج إلى قراءة هادئة
اقتصادياً، الصورة مركبة.
صندوق النقد الدولي أشار إلى تباطؤ النمو الاقتصادي من 6.3% سنة 2024 إلى 4% سنة 2025، مع انكماش في القطاع الاستخراجي وتباطؤ في القطاعات غير الاستخراجية، إضافة إلى ضغوط تضخمية مرتبطة، من بين عوامل أخرى، بالاضطرابات على الحدود مع مالي. وفي المقابل، استفادت البلاد من ارتفاع عائدات الذهب وبدء صادرات الغاز الطبيعي المسال.
وهذا يعني أن التحدي الاقتصادي الموريتاني ليس مجرد تحقيق نسبة نمو مرتفعة، وإنما تحويل الموارد الطبيعية والاستثمارات الكبرى إلى تنمية محسوسة، وفرص عمل، وتحسين للخدمات، وتقليل للفوارق، وتقوية للقطاعات الإنتاجية.
فالاقتصاد الذي ينمو على الورق دون أن يشعر المواطن بأثره في السوق والمنزل ومكان العمل يظل بحاجة إلى مراجعة أدوات توزيعه وفعاليته.
الفساد والابتزاز… معركة لا ينبغي اختزالها
كما عاد ملف الفساد والابتزاز واستغلال النفوذ إلى الواجهة في النقاش العام، مع أخبار عن توقيف مشتبه في تورطهم في شبكات ابتزاز وجرائم مالية.
وهنا أيضاً يجب أن تكون القاعدة واحدة:
لا حماية لمبتز، ولا حصانة لفاسد، ولا اتهام بلا دليل، ولا إدانة قبل حكم قضائي.
وإذا كان هناك من يستغل المعلومات أو النفوذ لابتزاز أصحاب المصالح، فإن مواجهة الابتزاز ينبغي أن تذهب إلى جذوره أيضاً: من أين جاءت الأموال؟ ولماذا كان المبتز قادراً على الوصول إلى معلومات أو مصالح يستطيع استخدامها للضغط على الآخرين؟ وهل توجد تجاوزات أصلية تستحق التحقيق مستقلة عن جريمة الابتزاز نفسها؟
فالدولة القوية لا تكتفي بمطاردة الأعراض؛ بل تبحث عن أسبابها.
السؤال الأكبر: أي موريتانيا نريد؟
ربما يكون هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يتقدم على كل الأسئلة الأخرى.
موريتانيا لا تحتاج فقط إلى تغيير الأشخاص، ولا إلى تثبيت الأشخاص، ولا إلى حوار من أجل الحوار، ولا إلى معارضة من أجل المعارضة.
ما تحتاجه هو دولة مؤسسات لا تتغير قواعدها بتغير الأشخاص، وإدارة عامة تقاس بالنتائج، وقضاء يحظى بالثقة، ومعارضة قادرة على تقديم البديل، وأغلبية تقبل المساءلة، ومواطن يشعر بأن ثروات بلده وخدماته العامة ليست امتيازاً لفئة دون أخرى.
أما الجدل حول المأمورية الثالثة، فإنه ينبغي أن يُقرأ داخل هذه الصورة الأوسع. فالمسألة ليست فقط في شخص الرئيس، وإنما في مفهوم التداول السياسي نفسه، وفي قدرة البلاد على بناء تقليد ديمقراطي يجعل انتقال السلطة أمراً مؤسسياً لا أزمة وطنية.
ومهما اختلفت المواقف، تبقى هناك حقيقة لا ينبغي أن تضيع وسط الصراع السياسي:
الوطن أبقى من السلطة، والدولة أوسع من الأشخاص، والمؤسسات يجب أن تكون أقوى من الجميع.
ومن هنا فإن الأشهر القادمة قد تكون مهمة ليس لأنها ستحدد فقط مسار الحوار، وإنما لأنها ستكشف أيضاً ما إذا كانت موريتانيا قادرة على تحويل الخلاف السياسي من مصدر توتر إلى وسيلة لتصحيح المسار، وتحويل مواردها وفرصها الاقتصادية إلى نتائج ملموسة، وترسيخ قاعدة مفادها أن الاختلاف السياسي لا يهدد الدولة، وإنما غياب قواعد عادلة لإدارته هو الذي يهددها.
إن موريتانيا اليوم ليست أمام سؤال: من يحكم؟ فقط، بل أمام سؤال أعمق:
كيف تُحكم البلاد، ولصالح من، وبأي مؤسسات، وبأي ضمانات، وإلى أين تريد أن تصل؟
وهذا هو السؤال الذي يستحق أن يكون في قلب أي حوار وطني جاد.
سيدي عيلال