Uncategorizedالأخبار

لكويرة : صراع الجغرافيا وحسابات السيادة ومستقبل الصحراء الغربية

قراءة في الخلفيات التاريخية والسياسية والاستراتيجية لعودة منطقة لكويرة إلى واجهة النقاش الإقليمي

لا ينبغي قراءة ما يتداول بشأن منطقة لكويرة باعتباره مجرد خلاف حدودي بين المغرب وموريتانيا، ولا اختزاله في سجال إعلامي عابر حول أحقية هذه الدولة أو تلك بالمنطقة. فالمسألة أعمق من ذلك؛ لأنها تتصل بتاريخ النزاع في الصحراء الغربية، وبمواقف أطرافه، وبالترتيبات التي قد تفرضها أي تسوية سياسية مستقبلية، فضلاً عن الموقع الاستراتيجي للمنطقة عند الطرف الجنوبي لشبه جزيرة رأس نواذيبو.

والأهم أن أي مقاربة جادة لملف لكويرة لا يمكن أن تكتفي باستحضار الموقفين المغربي والموريتاني، أو أن تتعامل مع المنطقة وكأنها مساحة خالية من المطالب الصحراوية. فالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، وجبهة البوليساريو الممثلة للمشروع الاستقلالي الصحراوي، طرف حاضر في معادلة النزاع، وله مطالبه السياسية والسيادية المرتبطة بمستقبل الإقليم، بما في ذلك المنطقة الجنوبية المحيطة بكويرة.

ومن هنا، فإن عودة هذا الملف إلى التداول تفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز حدود الجغرافيا: من يملك حق المشاركة في تحديد مستقبل المنطقة؟ وما موقع المطالب الصحراوية من أي تفاهمات مغربية موريتانية؟ وهل يمكن حسم وضع منطقة مرتبطة بنزاع دولي ممتد من خلال ترتيبات ثنائية فقط؟

أولاً: لكويرة.. موقع صغير وحسابات استراتيجية كبيرة

تقع لكويرة عند الطرف الجنوبي لشبه جزيرة رأس نواذيبو، في مواجهة المجال الساحلي الموريتاني، بالقرب من مدينة نواذيبو التي تمثل إحدى أهم ركائز الاقتصاد الوطني، بفضل الميناء والصيد البحري والنشاط التجاري والمعدني.

وتنبع أهمية المنطقة من تداخل ثلاثة أبعاد رئيسية:

– البعد السيادي والقانوني: ارتباط لكويرة بتاريخ تقسيم مناطق الصحراء الغربية وتطور النزاع عليها، وما ترتب على انسحاب موريتانيا من الحرب سنة 1979 من تحولات سياسية وميدانية.
– البعد الأمني: قرب المنطقة من نواذيبو، بما يجعل أي تغيير جوهري في وضعها ذا أهمية مباشرة للأمن الموريتاني وحماية المجال الساحلي.
– البعد الاقتصادي والاستراتيجي: أهمية الواجهة الأطلسية والموانئ والممرات التجارية، في ظل تنامي مشاريع البنية التحتية والمنافسة الاقتصادية في المنطقة.

لكن فهم هذه الأبعاد يقتضي التمييز بين المطالب السيادية، والسيطرة الفعلية على الأرض، والوضع القانوني النهائي للإقليم. فهذه مستويات مختلفة لا يجوز دمجها في حكم واحد دون الرجوع إلى الوثائق والاتفاقيات ذات الصلة.

ثانياً: الجمهورية الصحراوية.. طرف لا يمكن تجاوزه

من أبرز أوجه القصور في بعض القراءات المتداولة لملف لكويرة أنها تعرض المسألة باعتبارها منافسة بين المغرب وموريتانيا، متجاهلة الطرف الصحراوي الذي يرتبط مستقبل المنطقة بمستقبل قضيته الوطنية.

فالصحراء الغربية ليست مجرد مجال جغرافي تتنافس الدول المجاورة على النفوذ فيه؛ بل هي إقليم متنازع على وضعه النهائي، وله مسار دولي ممتد، وتشارك جبهة البوليساريو في المفاوضات المتعلقة بمستقبله إلى جانب المغرب والجزائر وموريتانيا، في إطار الجهود الدولية.

وتستند المطالب الصحراوية إلى حق تقرير المصير وإلى الموقف الذي تتبناه الجبهة بشأن استقلال الإقليم وإقامة الدولة الصحراوية. وبناء على ذلك، فإن أي بحث في الوضع النهائي لكويرة أو في الحدود الدولية للإقليم ينبغي ألا يتعامل مع المطالب الصحراوية باعتبارها تفصيلاً هامشياً يمكن تجاوزه باتفاقات بين الأطراف المجاورة.

كما أن حضور الجمهورية الصحراوية في المعادلة ليس سياسياً ورمزياً فحسب؛ إذ إن موقعها في النزاع، وارتباط لكويرة بالمجال الجنوبي للصحراء الغربية، يجعلانها طرفاً لا يمكن إغفاله عند مناقشة أي ترتيبات نهائية تخص الإقليم. أما تحديد طبيعة الحضور الميداني الحالي وحجمه في منطقة لكويرة نفسها، فيحتاج إلى توثيق مستقل، ولا ينبغي الخلط بين الحضور السياسي والعسكري في النزاع الصحراوي عموماً وبين السيطرة الفعلية على المدينة.

وتزداد أهمية هذا الأمر عند استحضار اتفاق السلام الموريتاني الصحراوي الموقع في الجزائر يوم 10 أغسطس 1979، الذي أعلنت فيه موريتانيا تخليها عن المطالب الإقليمية في الصحراء الغربية وانسحابها نهائياً من الحرب، فيما أعلنت جبهة البوليساريو عدم وجود مطالب إقليمية لها في موريتانيا.

ويشكل هذا الاتفاق محطة مفصلية في تاريخ العلاقة بين نواكشوط والطرف الصحراوي، لكنه لا يبرر بمفرده القفز إلى استنتاجات غير موثقة بشأن الوضع القانوني الراهن لكويرة أو اعتبار أن جميع الأسئلة المتعلقة بحدود الإقليم قد حُسمت نهائياً.

والخلاصة هنا أن أي تسوية تتعلق بكويرة لا يمكن أن تكون مجرد تفاهم جغرافي بين دولتين؛ بل ينبغي أن تُقرأ في إطار التسوية الأوسع لقضية الصحراء الغربية، مع مراعاة حقوق الأطراف المعنية ومواقفها.

ثالثاً: لماذا عاد ملف لكويرة إلى الواجهة؟

1. التحوط الموريتاني من مآلات التسوية السياسية

أثار ما ورد في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة لعام 2026 بشأن اقتراح موريتاني تشكيل لجنة لتوضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم المتنازع عليه، بصورة توافقية، اهتماماً إعلامياً وسياسياً متزايداً.

وتكمن أهمية هذه الإشارة في أن موريتانيا تسعى، وفق ما أورده التقرير، إلى إدراج مسألة الحدود ضمن النقاشات المتعلقة بمستقبل النزاع.

ويمكن قراءة هذا التحرك باعتباره رغبة في ضمان وضوح الترتيبات الحدودية المستقبلية، وحماية المصالح الأمنية والاستراتيجية الموريتانية، وتجنب نشوء أوضاع ملتبسة على مقربة من نواذيبو.

لكن من الضروري التنبيه إلى أن طلب توضيح الحدود لا يساوي، في حد ذاته، إعلان مطالبة موريتانية بالسيادة على لكويرة، ولا يثبت نشوب نزاع مباشر مع المغرب. كما أن المقترح لا يصبح اتفاقاً نافذاً لمجرد وروده في تقرير أممي؛ إذ يتوقف ذلك على ما قد تتوصل إليه الأطراف المعنية من تفاهمات.

2. نواذيبو والواجهة الأطلسية.. ما وراء الحدود

لا يمكن فصل حساسية لكويرة عن أهمية نواذيبو الاقتصادية والاستراتيجية. فكل تطور يمس المجال الساحلي المحيط بالمدينة قد يثير تساؤلات بشأن الأمن البحري، والموانئ، والصيد، وحركة التجارة.

وفي المقابل، يواصل المغرب تطوير مشاريعه في أقاليمه الجنوبية، ومن بينها مشروع ميناء الداخلة الأطلسي، وهو ما يعزز أهمية الموانئ والممرات التجارية في حسابات دول المنطقة.

غير أن تحويل هذه التطورات إلى دليل قاطع على وجود صراع اقتصادي حول لكويرة يحتاج إلى أدلة أكثر تحديداً. فالتنافس على الموانئ والطرق التجارية قد يتحول إلى مصدر للتوتر، لكنه قد يفتح أيضاً آفاقاً للتكامل والتبادل الاقتصادي إذا جرى تنظيم المصالح المشتركة بصورة متوازنة.

3. الرموز السياسية ورسائل السيادة

أثارت تقارير صحفية متداولة بشأن تقديم خريطة للمغرب تشمل لكويرة خلال لقاء عسكري مغربي موريتاني نقاشاً حول دلالات الرموز السيادية في العلاقات بين البلدين.

ويمكن النظر إلى مثل هذه الخطوات، إن ثبتت تفاصيلها، بوصفها تعبيراً عن الموقف المغربي المعروف بشأن وحدة أراضي المملكة. لكن لا يصح الجزم بأنها رسالة ضغط موجهة إلى موريتانيا من دون دليل مباشر.

وتبقى أهمية الواقعة، إن صحت، مرتبطة بتوقيتها وسياقها، خصوصاً في ظل عودة الحديث عن الحدود النهائية للصحراء الغربية. فالرموز قد تعكس المواقف السياسية، لكنها لا تُنشئ وحدها حقوقاً قانونية، ولا تحسم نزاعاً دولياً.

4. التوازنات الإقليمية ومستقبل العلاقات

تقع لكويرة ضمن فضاء إقليمي تتداخل فيه العلاقات المغربية الجزائرية، والمطالب الصحراوية، والحسابات الأمنية لدول الساحل، والمصالح الاقتصادية المطلة على المحيط الأطلسي.

وتجد موريتانيا نفسها معنية بالحفاظ على علاقات مستقرة مع المغرب والجزائر، مع مراعاة موقفها من قضية الصحراء الغربية وحرصها على تجنب التورط في مواجهة إقليمية.

وفي هذا السياق، قد يكون طرح ملف الحدود جزءاً من مسعى أوسع إلى تقليل الغموض بشأن المستقبل، وليس بالضرورة مقدمة لتصعيد دبلوماسي أو مواجهة ميدانية.

رابعاً: ما الذي يعنيه الملف لموريتانيا؟

تتداخل في هذا الملف ثلاثة مستويات أساسية من المصالح الموريتانية:

أولاً، المستوى السيادي: ضمان وضوح الحدود والترتيبات القانونية التي تحكم المجال المحيط بنواذيبو، بعيداً عن التأويلات المتضاربة.

ثانياً، المستوى الأمني: حماية المصالح الموريتانية في الشمال، وضمان استقرار المجال الساحلي، ومنع أي تطور يمكن أن ينعكس سلباً على الأمن الوطني.

ثالثاً، المستوى الاقتصادي: الحفاظ على مكانة نواذيبو بوصفها مركزاً اقتصادياً ومينائياً، والعمل على تحويل الموقع الجغرافي لموريتانيا إلى فرصة للتكامل الإقليمي، بدلاً من تركه عرضة للمنافسة غير المتوازنة.

ومع ذلك، فإن الدفاع عن المصالح الموريتانية لا يستلزم بالضرورة الدخول في نزاع مع المغرب، كما لا يقتضي تجاهل الطرف الصحراوي. فالمقاربة الأكثر اتزاناً هي التي تجمع بين وضوح الموقف الوطني، واحترام المسارات القانونية والدبلوماسية، وتجنب الخطوات التي قد تخلق توتراً غير محسوب.

خامساً: السيناريوهات المحتملة لمستقبل لكويرة

السيناريو الأول: تسوية سياسية أوسع بضمانات واضحة

قد تُبحث مسألة الحدود والترتيبات الأمنية ضمن تسوية شاملة لقضية الصحراء الغربية، بما يتيح للأطراف المعنية معالجة المخاوف الحدودية والأمنية والاقتصادية.

غير أن نجاح هذا المسار يتطلب مشاركة الأطراف المعنية فعلياً، وعدم التعامل مع لكويرة باعتبارها ملفاً منفصلاً عن الوضع النهائي للإقليم.

السيناريو الثاني: استمرار الوضع القائم

قد يستمر التباين في المواقف بشأن الوضع النهائي للمنطقة، مع بقاء التعاون المغربي الموريتاني قائماً وتأجيل الحسم إلى حين اتضاح مآلات المسار السياسي.

وفي هذه الحالة، سيظل الملف حاضراً في النقاشات والتحليلات، من دون أن يعني ذلك بالضرورة حدوث تغيير ميداني أو أزمة دبلوماسية.

السيناريو الثالث: تصاعد الحساسية السياسية والدبلوماسية

قد تتزايد الحساسية إذا تحولت التصريحات والرموز السيادية إلى خطوات ميدانية أو ترتيبات أحادية تمس مصالح الأطراف الأخرى، أو إذا جرى التعامل مع الملف بمعزل عن النزاع الصحراوي.

ومن شأن أي مسار يتجاهل المطالب الصحراوية أو يتعامل مع المنطقة باعتبارها موضوعاً لاتفاق ثنائي حصري أن يثير اعتراضات سياسية، ويعقّد فرص الوصول إلى تسوية تحظى بقبول الأطراف المعنية.

لكن المعطيات المتاحة لا تكفي للجزم بأن هذا السيناريو قد بدأ بالفعل.

سادساً: ما المؤشرات التي ينبغي متابعتها؟

لفهم ما يجري بعيداً عن المبالغات، ينبغي التركيز على أربعة مؤشرات:

1. النص الكامل لتقرير الأمين العام للأمم المتحدة لعام 2026، ولا سيما الفقرة التي تتناول المقترح الموريتاني بشأن الحدود، لمعرفة الصياغة الدقيقة وما إذا كانت تشير صراحة إلى لكويرة.
2. أي موقف رسمي موريتاني، يوضح طبيعة اللجنة المقترحة وحدود مهمتها، وما إذا كان الهدف قانونياً أو أمنياً أو سياسياً.
3. المواقف الرسمية المغربية والصحراوية، مع التمييز بين التصريحات السياسية والمواقف القانونية والإجراءات الميدانية الفعلية.
4. أي تفاهمات أو ترتيبات جديدة، سواء كانت ثنائية أو ضمن المسار الأممي، تتصل بالحدود أو بالأمن الساحلي أو بمستقبل الوضع النهائي للصحراء الغربية.

ولا تقل أهمية عن ذلك متابعة مدى إشراك الأطراف الصحراوية في أي نقاش يتعلق بمستقبل الإقليم، لأن تجاهلها لن يحل الإشكال، بل قد يزيد تعقيده.

الخلاصة: لكويرة ليست مجرد نقطة على الخريطة

إن جوهر قضية لكويرة لا ينحصر في السؤال عن الدولة التي ستبسط سيادتها على المنطقة، بل يمتد إلى طبيعة التسوية التي ستحدد مستقبل الصحراء الغربية، ومدى قدرتها على معالجة المطالب المتعارضة وضمان الاستقرار في محيط إقليمي شديد الحساسية.

فالمغرب يتمسك بموقفه السيادي بشأن الإقليم، وموريتانيا معنية مباشرة بأمن حدودها ومصالحها الاستراتيجية قرب نواذيبو، فيما تتمسك الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية وجبهة البوليساريو بمطالبهما المرتبطة بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير ومستقبل الإقليم.

ولا يجوز اختزال هذه المعادلة في تنافس مغربي موريتاني، أو استبعاد الطرف الصحراوي من النقاش، أو اعتبار أن مجرد تداول مقترح لتوضيح الحدود يعني أن موريتانيا أعلنت المطالبة بكويرة.

إن المصلحة الموريتانية الحقيقية تكمن في وضوح الحدود، وحماية الأمن الوطني، وصون المصالح الاقتصادية، من دون الانزلاق إلى مواجهة غير محسوبة. أما التسوية المستدامة، فلا يمكن أن تقوم على تجاهل الوقائع التاريخية أو إغفال المطالب الصحراوية، بل ينبغي أن تستند إلى معالجة سياسية وقانونية شاملة، تأخذ في الحسبان الأطراف المعنية وحقوقها ومواقفها.

فلكويرة، على صغر مساحتها، أكبر من أن تُقرأ باعتبارها خلافاً حدودياً عابراً؛ إنها نقطة تتقاطع عندها الجغرافيا والسيادة وحق تقرير المصير وحسابات الأمن والاقتصاد، وسيظل مستقبلها مرتبطاً إلى حد بعيد بمآلات قضية الصحراء الغربية.

اعدا : سيدي عيلال مستشار جهوي

زر الذهاب إلى الأعلى