Uncategorizedالأخبارجديد الأنشطةرياضة

موريتانيا والصحراء الغربية: ثوابت الحياد وحسابات المصالح / سيدي عيلال

إن قراءة المستجدات الأخيرة في ملف الصحراء الغربية لا ينبغي أن تقتصر على منطوق القرار الذي صدر عن مجلس الأمن، ولا على مواقف الدول التي أيدته أو عارضته؛ فالقضية أعمق من تصويت دبلوماسي، وأوسع من تنافس إقليمي على النفوذ. إنها قضية شعب طال انتظاره لتسوية تنهي تشتته، وقضية إقليم تتقاطع فيه اعتبارات السيادة والشرعية الدولية والأمن الإقليمي، وقضية بلدنا موريتانيا الذي لا يملك ترف التعامل معها باعتبارها شأناً بعيداً عن أمنه ومصالحه ووحدة محيطه الجغرافي.
ومن هذا المنطلق، فإن الموقف الموريتاني يحتاج إلى قراءة هادئة، تستحضر ثوابته التاريخية، وتحفظ علاقاته مع الأطراف المعنية، من دون أن تتخلى عن مبادئه أو تسمح بتحويل أراضيه ومصالح مواطنيه إلى امتداد لصراعات الآخرين.
أولاً: ماذا جرى في مجلس الأمن، وما دلالته السياسية؟
ما حدث يوم 30 أكتوبر 2026 لم يكن مجرد خلاف إجرائي حول تمديد بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو)، بل كان مواجهة دبلوماسية كشفت حجم التباعد بين القوى الكبرى حول مستقبل النزاع.
فقد طُرح مشروع أمريكي لتمديد مهمة البعثة سنة إضافية، مع إعادة تشكيل دورها، وتغيير اسمها بما يحذف الإشارة إلى الاستفتاء، وجعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً للمفاوضات. حصل المشروع على تأييد 11 عضواً، لكنه سقط باستخدام روسيا حق النقض، مع امتناع الصين وباكستان والصومال.
وفي المقابل، لم ينجح المشروع الروسي البديل، الذي كان يقترح تمديد ولاية البعثة عاماً آخر بصيغتها القائمة، إذ لم يحصل إلا على ثلاثة أصوات مؤيدة، مقابل صوت معارض و11 امتناعاً. وبذلك أخفق مجلس الأمن في اعتماد أي من المشروعين، وانتهت ولاية المينورسو في 31 أكتوبر 2026، دون التوصل إلى صيغة توافقية جديدة.
وهنا ينبغي التوقف عند ثلاث دلالات:
1\. تراجع التوافق الدولي حول إدارة النزاع.
لم يعد الخلاف محصوراً بين المغرب وجبهة البوليساريو، أو بين المغرب والجزائر، بل أصبح واضحاً داخل مجلس الأمن نفسه. فالولايات المتحدة وحلفاؤها دفعوا نحو إعادة صياغة الإطار السياسي للمفاوضات، بينما اعتبرت روسيا أن تمرير مشروع من هذا النوع من دون توافق الأطراف المعنية يمثل انحيازاً مسبقاً لمسار بعينه، ويقوض مبدأ التسوية المقبولة من الجميع.
2\. لا يجوز الخلط بين تعثر الاستفتاء وسقوط حق تقرير المصير.
لقد أُنشئت المينورسو سنة 1991 في إطار خطة تسوية تضمنت تنظيم استفتاء يختار فيه سكان الصحراء الغربية بين الاستقلال والاندماج مع المغرب. ولم ينظم ذلك الاستفتاء حتى اليوم، بسبب الخلافات حول شروطه والهيئة الناخبة. لكن تعثر آلية التنفيذ لا يعني أن أصل القضية قد حُسم، ولا أن حق السكان المعنيين في تقرير مستقبلهم قد أصبح بلا موضوع.
3\. تحوّل الخلاف من البحث عن تسوية إلى التنافس على تحديد إطار التسوية.
وهذه هي النقطة الأكثر أهمية؛ إذ إن الخلاف لم يعد فقط حول مضمون الحل، بل حول من يحدد شروطه، ومن يملك حق المشاركة في صياغته، وما إذا كان يمكن فرض إطار تفاوضي قبل حصول التوافق عليه.
فأي تسوية تستبعد إرادة أحد الأطراف المعنية، أو تتعامل مع شعب الصحراء الغربية باعتباره مجرد موضوع تفاوض بين الدول، ستظل معرضة لأزمات الشرعية والقبول والاستدامة.
ثانياً: ما تداعيات توقف المينورسو؟
من الضروري التمييز هنا بين انتهاء الولاية القانونية للبعثة نتيجة عدم تجديدها، وبين إنهاء وجودها الميداني بصورة مكتملة ونهائية. فالمعلومات المنشورة في 31 أكتوبر تحدثت عن استعدادات لنقل الأفراد والمعدات، لكن ذلك لا يعني أن جميع الترتيبات الميدانية والسياسية قد حُسمت بالفعل.
وتبرز أربعة تداعيات أساسية:
أولاً: فراغ في الرقابة الدولية الميدانية.
كانت المينورسو تمثل آلية أممية لمراقبة وقف إطلاق النار، ورصد التطورات العسكرية، وتوفير قناة للاتصال وتخفيف احتمالات التصعيد. وغيابها، إذا استمر، قد يجعل التحقق المستقل من الوقائع الميدانية أكثر صعوبة، ويزيد مخاطر سوء التقدير والاحتكاك العسكري.
وقد حذرت مواقف دولية من أن الانسحاب المفاجئ للبعثة في ظل استمرار التوترات قد يهدد الاستقرار الإقليمي.
ثانياً: تراجع الحضور الأممي المباشر لا يعني انتهاء المسؤولية الدولية.
فالصحراء الغربية لا تتحول تلقائياً، بانتهاء ولاية البعثة، إلى قضية محسومة السيادة. كما أن عدم تجديد مهمة ميدانية لا يلغي الخلفية القانونية والسياسية التي أنشئت على أساسها، ولا يحول الخلاف إلى أمر واقع متفق عليه دولياً.
ثالثاً: تفاقم المخاوف الإنسانية.
إن أكثر من يدفع ثمن استمرار هذا النزاع هم الصحراويون الذين عاشوا عقوداً من التشتت واللجوء والانتظار. ومن المؤسف أن يتحول مستقبل أجيال كاملة إلى رهينة لتجاذبات العواصم وحسابات النفوذ.
فلا يمكن أن يكون فشل الدبلوماسية الدولية مبرراً لإطالة معاناة المدنيين، أو إسقاط حقهم في المشاركة الحقيقية في تقرير مستقبلهم.
رابعاً: احتمال انتقال النزاع إلى مرحلة أكثر تعقيداً.
إذا غابت آليات الرقابة والوساطة دون إيجاد بديل أممي مقبول، فإن المنطقة قد تواجه مرحلة من عدم اليقين الأمني والسياسي، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية والتنافس الإقليمي.
وهذا تحديداً ما يجعل استمرار الحوار الأممي ضرورة، لا ترفاً دبلوماسياً.
ثالثاً: موريتانيا أمام هذه التحولات.. الحياد ليس انسحاباً من المسؤولية
بالنسبة إلى موريتانيا، فإن ما يجري ليس تطوراً دبلوماسياً عادياً على حدودها الشمالية، بل مسألة تمس الأمن الوطني، والتوازن الإقليمي، ومستقبل العلاقات مع بلدين شقيقين، هما المغرب والجزائر، فضلاً عن صلتها التاريخية والسياسية بالشعب الصحراوي.
وهنا تبرز أهمية الموقف الموريتاني الذي يقوم على ما يُعرف بـ«الحياد الإيجابي»، وهو موقف لم ينشأ من فراغ، وإنما تبلور بعد تجربة موريتانيا المباشرة مع الحرب، وما ترتب عليها من تكاليف بشرية واقتصادية وأمنية، وصولاً إلى اتفاق الجزائر سنة 1979 وانسحابها من النزاع.
ومن المهم التذكير بأن موريتانيا اعترفت بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية سنة 1984، وأن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أكد سنة 2020 أن الاعتراف بالجمهورية الصحراوية والحياد الإيجابي والوقوف على المسافة نفسها من الأشقاء يمثلان ثوابت في الموقف الموريتاني.
وهذا التفصيل مهم للغاية؛ لأنه يوضح أن الحياد الموريتاني لا يعني التنكر للاعتراف القائم، كما لا يعني الانخراط في مواجهة مع المغرب أو الاصطفاف ضد الجزائر.
إنه تمييز بين الاعتراف السياسي، وبين الانحياز العسكري أو الدخول في صراع إقليمي.
وأرى أن هناك خمس مسائل ينبغي أن تستحضرها موريتانيا في هذه المرحلة:
1\. حماية الحدود قبل أي اعتبار آخر.
لقد عرفت المناطق الحدودية حوادث مؤلمة تعرض فيها مواطنون موريتانيون لمخاطر حقيقية، ولذلك فإن أي تطور في وضع المينورسو ينبغي أن يدفع نواكشوط إلى تعزيز الرقابة الحدودية، وتطوير آليات التنسيق، وتوضيح المسؤوليات، وحماية المواطنين وممتلكاتهم وطرق تنقلهم.
ومن هذا المنظور يمكن فهم أهمية المقترح الموريتاني المتعلق بإنشاء لجنة لتوضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم المتنازع عليه، كما ورد في التقرير الأممي المتعلق بالمفاوضات التي احتضنتها مدريد في فبراير 2026. فترسيم الحدود، متى تم بالتوافق والضوابط القانونية، ليس اصطفافاً مع طرف، وإنما إجراء وقائي يحمي السيادة ويمنع تكرار المآسي.
2\. المحافظة على التوازن مع المغرب والجزائر.
ليس من مصلحة موريتانيا أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الجارين، ولا أن تصبح علاقاتها بأحدهما رهينة لمواقفها من الآخر.
فالمغرب شريك جغرافي واقتصادي مهم، والجزائر دولة محورية في محيطنا المغاربي والإفريقي، ولا يمكن بناء سياسة خارجية متوازنة على حساب أحدهما.
كما أن علاقتنا بالشعب الصحراوي ليست علاقة طارئة فرضتها الظروف، بل لها امتدادات تاريخية واجتماعية وإنسانية وسياسية لا يصح تجاهلها.
3\. عدم السماح بتحويل غياب المينورسو إلى واقع سياسي مفروض.
إن انتهاء ولاية البعثة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره تفويضاً مفتوحاً لأي طرف لفرض تصوره النهائي على الإقليم.
فإذا كان المجتمع الدولي عاجزاً عن تنفيذ الاستفتاء الذي قامت عليه مهمة البعثة، فإن ذلك يستدعي البحث عن آلية بديلة تحفظ جوهر التسوية، لا الاكتفاء بإلغاء الأداة التي ظلت تمثل الحضور الدولي في الميدان.
وموريتانيا، بحكم موقعها وعلاقاتها بالأطراف، تستطيع أن تدافع عن ضرورة استمرار المسار السياسي تحت رعاية الأمم المتحدة، وعن عدم استبعاد أي طرف معني من مفاوضات الحل.
4\. الحفاظ على الاعتراف بالجمهورية الصحراوية مع احترام الحياد الإيجابي.
ليس مطلوباً من موريتانيا أن تتخلى عن موقف تاريخي ثابت حتى تثبت حسن علاقاتها مع المغرب، كما ليس مطلوباً منها أن تجعل اعترافها بالجمهورية الصحراوية مدخلاً إلى خصومة مع المملكة المغربية.
فالاعتراف الدبلوماسي والحياد السياسي ليسا بالضرورة موقفين متناقضين، وقد أثبتت التجربة الموريتانية إمكانية الجمع بينهما.
والأهم أن يظل الموقف الموريتاني واضحاً: لا فرض للحلول، ولا مصادرة لإرادة المعنيين، ولا تحويل للخلاف السياسي إلى خصومة بين الشعوب.
5\. عدم إغفال البعد الإنساني للقضية.
وراء كل هذه الحسابات شعب صحراوي ممزق بين اللجوء والشتات والوجود داخل الإقليم، وأجيال تعاقبت دون أن تنعم بتسوية نهائية تنهي حالة الانتظار.
ومن حق هؤلاء أن يكونوا أصحاب كلمة حقيقية في مستقبل أرضهم، وأن لا تتحول معاناتهم إلى ورقة تفاوضية تتقاذفها القوى الدولية والإقليمية.
إن التعاطف مع معاناة الصحراويين، واحترام حقهم في تقرير المصير وفق قواعد القانون الدولي، لا يتطلب من موريتانيا التخلي عن حيادها، كما أن المحافظة على علاقاتها مع جيرانها لا تقتضي تجاهل هذه الحقيقة الإنسانية والسياسية.
رابعاً: ما الذي ينبغي أن يكون عليه الموقف الموريتاني مستقبلاً؟
أعتقد أن المرحلة تفرض على موريتانيا المحافظة على ثوابتها، مع تطوير أدواتها الدبلوماسية والأمنية بما يتناسب مع التحولات الجديدة.
وأبرز ما يمكن أن تقوم به هو:
* المطالبة باستمرار الرعاية الأممية للنزاع، وعدم ترك فراغ سياسي أو أمني بعد انتهاء ولاية المينورسو.
* دعم مفاوضات جادة تضم المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا، دون إقصاء أو شروط مسبقة تحسم النتيجة قبل الحوار.
* التمسك بمبدأ تقرير المصير، باعتباره منطلقاً قانونياً وإنسانياً لا ينبغي إسقاطه بمجرد تعثر آليات تطبيقه.
* تعزيز أمن الحدود وحماية المواطنين، وتطوير التنسيق مع الأطراف المجاورة.
* المحافظة على الاعتراف بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، وعلى علاقات الأخوة والتعاون مع المغرب والجزائر، بعيداً عن منطق الاستقطاب.
إن ما جرى في مجلس الأمن يكشف أن قضية الصحراء الغربية دخلت مرحلة جديدة من التعقيد، وأن انتهاء ولاية المينورسو دون توافق على تجديدها لا يمثل حلاً للنزاع، بقدر ما يفتح أسئلة أكبر بشأن مستقبل الرقابة الدولية، وآليات التسوية، وضمانات الأمن والاستقرار.

وبالنسبة إلى موريتانيا، فإن الرهان الحقيقي ليس في الانتصار لهذا الطرف أو ذاك، وإنما في حماية مصالحها الوطنية، وصيانة سيادتها، وتحصين علاقاتها الإقليمية، والحفاظ على موقعها بوصفها طرفاً حريصاً على التسوية السلمية.

ولعل أكثر ما ينبغي أن نخشاه هو أن تتحول المنطقة إلى فضاء لتجاذبات النفوذ، وأن يدفع المواطنون الموريتانيون والصحراويون ثمن خلافات لم يكونوا أصحاب قرار في استمرارها.

إن الوطن الموريتاني أكبر من حسابات المحاور، وأبقى من تقلبات التحالفات، ومصلحته في أن يكون جسراً للتفاهم لا ممراً للصراعات.ولا ينبغي أن يُفهم الحياد على أنه صمت عن المظالم، أو تخلٍّ عن المبادئ، كما لا ينبغي أن يُفهم الاعتراف السياسي على أنه إعلان خصومة مع الأشقاء.فمن حق موريتانيا أن تحمي حدودها، وتصون مصالحها، وتحافظ على علاقاتها، ومن حق الشعب الصحراوي، في المقابل، ألا يُختزل مستقبله في تفاهمات لا يكون طرفاً حقيقياً فيها.فالسلام الذي لا يستوعب إرادة المعنيين به قد يؤجل النزاع، لكنه لا ينهي أسبابه؛ والحلول التي لا تقوم على الرضا والقبول المتبادل تظل أقرب إلى إدارة الأزمات منها إلى صناعة السلام.

زر الذهاب إلى الأعلى