نواكشوط حين تمطر: مدينة تغرق في الوحل والكذب

عندما يهطل المطر، تتحول العاصمة إلى مشهد مأساوي يتكرر في كل موسم، وكأنها مدينة عائمة في زمن النسيان. الطرق تغرق في الوحل، الأحياء تتحول إلى جزر معزولة، والمستنقعات والمطبات تتكاثر كأنها تنبت من باطن الأرض. ومع ذلك، يصمت أصحاب القرار، دعاة “العصرنة”، رموز النظام وقادته، وكأن المدينة ليست عاصمتهم ولا مرآة لفشلهم.
رغم الشعارات الطنانة والوعود المتكررة التي لطالما ملأت الحملات الانتخابية، ورغم الأرقام الفلكية التي رُصدت لما سُمِّي “بعصرنة نواكشوط”، لا فارس يلوح في الأفق، ولا خطة طوارئ تُفعل، ولا مسؤول يخرج ليواجه الناس ويشرح لهم لماذا تغرق العاصمة مع كل غيمة.
المدينة، بكل بساطة، تُغرقها هشاشة البنية التحتية، وسوء التخطيط، وفساد الصفقات العمومية. مياه المطر تختلط بمياه الصرف الصحي في مشهد مقزز، يفضح مدى انعدام الكرامة في السياسات العمومية. مدينة تعوم فوق بحر من الفضلات، وتُدار بعقلية الإنكار والمحاباة والارتجال.
أين أصحاب السلطة؟ أين “الأشراف” الذين لا يظهرون إلا في الاحتفالات؟ أين البرامج التي بُشّر بها الناس؟ لقد ابتلعها الطين، كما ابتلع الكذب وعودهم، وغرقت معها آمال البسطاء الذين لا يملكون إلا الصبر و”العوم” في الأذى.
الحق أن ما نراه ليس مجرد عجز عن تصريف مياه، بل هو إفلاس في التخطيط، واحتقار للمواطن، وغياب للعدالة المجالية. إنها أزمة قيادة، وأزمة أولويات، قبل أن تكون أزمة أمطار. فالعواصم المحترمة لا تغرق كل خريف، بل تتحصن بالنية الحسنة والعمل الجاد، لا بالشعارات والكمامات الموسمية.