بحثًا عن الوطن في زحمة الأزمات / سيدي عيلال

تشهد المنطقة برمّتها حالة غليان متسارعة بفعل التطورات المتلاحقة على الحدود الشرقية، حيث تتقاطع الحسابات الأمنية بالإقليمية مع ارتدادات ملف الصحراء الغربية الذي ما زال يراوح مكانه وسط غياب إجماع حقيقي بين الأطراف المعنية به. هذا الملف الذي لم يعد مجرد قضية سياسية بل تحول إلى عقدة استراتيجية تتشابك فيها المصالح الخارجية مع توازنات الداخل الهشة.
وفي موازاة هذا المشهد المضطرب، برزت استجابة السلطات المحلية لمطالب وضغوط الهيئات المالية الدولية الساعية لكشف مصير تمويلاتها المتراكمة منذ سنوات. وهي استجابة جاءت في سياق لا يخلو من الارتباك، حيث تسبب التقرير الجزئي الصادر عن محكمة الحسابات في إحراج مؤسسات سيادية، وأدى إلى إحالة مجموعة من مسيري بعض المؤسسات الوطنية إلى المساءلة والتحقيق، في خطوة فسّرها البعض بأنها ضرورية لاستعادة الثقة، بينما رآها آخرون مجرد إجراء امتصاصي يراد به تهدئة الخارج دون معالجة حقيقية للخلل البنيوي في منظومة التسيير.
تتقاطع هذه الأحداث مع احتقان داخلي يتفاقم يومًا بعد يوم، تغذيه صراعات الأجنحة داخل دوائر القرار، حيث تدور معركة مبكرة على الخلافة في ظل غياب رؤية جامعة أو مشروع وطني متماسك. فبدل أن تتجه الجهود لترميم ما تبقّى من جسد الدولة، يتسابق الفرقاء على إرث مشروع وطني منهوب ومثقل بالرهانات الخارجية والداخلية على السواء.
وما يزيد الوضع حساسية تلك التصريحات المريحة التي أطلقتها قيادة جمهورية السنغال بإعلانها خفض أسعار المواد الأساسية، إذ كشفت بوضوح حجم المفارقة بين ما تعانيه الشعوب المجاورة من ضيق وبين ما يمكن إنجازه بإرادة سياسية صادقة. هذه الخطوة السنغالية لم تمر مرور الكرام في وعي الشارع المحلي، بل أثارت موجة من المقارنات المؤلمة، وجعلت السياسات الاقتصادية الداخلية تبدو أكثر عجزًا وارتباكًا في نظر الرأي العام.
وهكذا تتراكم المعطيات — الأمنية والسياسية والاقتصادية — لتشكل لوحة حرجة لمستقبل مفتوح على كل الاحتمالات، حيث يلوح في الأفق خطر فقدان السيطرة على المسار العام للدولة إن لم تتدارك النخب لحظة التحول بمسؤولية وصدق قبل أن يستفحل الشرخ بين السلطة والمجتمع، وبين الداخل والخارج، وبين الماضي الذي يُستنزف والمستقبل الذي لم يولد بعد.