مرثية الحياد المفقود / سيدي عيلال

كنا نحلم بوطنٍ نقيٍّ كالسماء الأولى، لا تمسُّه يدُ التوظيف ولا تلوّثه نزوةُ انتقام.
كنا نؤمن بأن الحياد ليس مجرّد شعارٍ في خطابٍ رسمي، بل روحُ الجمهورية، وعدلُها الذي يُنصف الجميع، ويجمع أبناءها حول رايةٍ واحدة لا تميل إلا للحق.
كم صدّقنا أن حكماء هذا البلد سيحمون قيمه، وسيقفون حُماةً لمبادئه وشعاره، لهيبته المتوارثة عبر أجيالٍ حلمت بعدلٍ لا يُباع، وبكرامةٍ لا تُشترى. لكن الأمل انكسر، حين انتصرت خلية التأزيم، ونسجت حول النظام السياسي شِراكها الخفية، حتى غدا أسير رغباتها الصغيرة، ومطيةً لأحقادها الدفينة.
لقد نجحوا — للأسف — في تحويل مؤسسات الدولة إلى أدواتٍ طيّعةٍ تخدم نزواتهم، يرفعونها سيفًا على رقاب الشرفاء، ويغدقون بها العطايا على المصفقين والمطأطئين. وبهذا أتمّوا ثأرهم من القائد الذي كان بالأمس رمز هيبةٍ وهيمنةٍ وكرامةٍ وطنية: فخامة الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز.
كم هو مؤلمٌ أن تُختزل الدولة في حفنةٍ من المتلاعبين بمصيرها، وأن تتحوّل شعارات الجمهورية إلى أصداءٍ باهتةٍ في فضاءٍ ملوثٍ بالترهيب والترغيب.
خيبةٌ عميقةٌ تخنق الصدور، تملأ القلوب بمرارةٍ صامتةٍ تكرس الجوع والخوف معًا.
إنها خيبة الأغلبية التي لا صوت لها، تلك التي تبحث عن وطن يؤويها لا يطردها، يحتضنها لا يحاسبها، يفتح لها نافذةً واحدةً على الكرامة ولو بثمنٍ باهظ.
ويبقى السؤال الموجع معلقًا في صمت البلاد:
هل مات الحياد في هذا الوطن… أم نحن الذين متنا فيه؟