حين تتحالف النخبة مع البنى الموازية للدولة / سيدي عيلال

حين تتحالف النخبة مع البنى الموازية للدولة / سيدي عيلاللم تعد ثقافةُ الانتجاع والمضارب والحقول مجرد موروثٍ اجتماعي أو نمطِ عيشٍ تقليدي يُحترم في سياقه الطبيعي، بل تحوّلت ـ بفعل التوظيف الواعي والانتهازي ـ إلى قوةٍ مزاحِمة لمعنى الوطن الحديث، ومُعطِّلة لتجسيد روحه الجامعة، ومُفرغة لشعار الدولة من مضمونه الأخلاقي والسياسي. فالوطن لا يُبنى بالحنين وحده، ولا تُصان هيبته حين تُستدعى البنى الأولى لتُنافس الدولة بدل أن تنضوي تحت سقفها.
إن اللحظة الوطنية الراهنة تكشف، بلا مواربة، عن تعمّد قطاعات من النخبة تكريس هذا التناقض القاتل؛ نخبةٌ كان يُفترض أن تكون حارسة للمعنى الوطني، فإذا بها تُمعن في تقوية منافسي الدولة، لا فقط عبر إعادة إنتاج الكيانات الاجتماعية المألوفة ومنحها شرعية سياسية مستترة، بل أيضًا عبر تزكية الأخطاء الفادحة، والتستّر عليها، والدفاع عنها بوصفها “ضرورات” أو “توازنات”، بينما هي في حقيقتها انحرافات تُقوّض أسس الدولة من الداخل.
والأخطر من ذلك أن هذا السلوك لم يتوقف عند حدود سوء التقدير، بل تجاوزها إلى ريٍّ متعمّد لعروق الفتنة، وتكريسٍ للانحياز الأعمى، وإحلال الولاء الضيّق محلّ المواطنة، في ازدراءٍ صريح للقانون، واستخفافٍ بالحق، وعداءٍ مستتر للعدل. وهي قيمٌ لا تمثل فقط جوهر الدولة الوطنية الحديثة، بل تشكل ـ مع مقاصد الدين الحنيف الخالص ـ الأساسَ الأخلاقي الجامع الذي تنتظم به حياة الشعب وتُصان به كرامته.
إن القانون والعدل والحق ليست أدواتٍ انتقائية تُستدعى عند الحاجة وتُعطّل عند المصلحة، بل هي خطوطٌ حمراء، وأهم التحصينات التي تحمي الوطن من التفكك، وتزرع في النفوس حبَّه والاستعداد للتضحية من أجله. أما النخبة التي تفرّط في هذه القيم، أو تُقايضها بمكاسب ظرفية أو ولاءات ما قبل الدولة، فإنها لا تخدم الاستقرار، بل تشرعن الانقسام، وتفتح الباب أمام كل سلوكٍ أو اعتقادٍ أو كيانٍ ينافس الوطن ويستنزف شرعيته.
وحين تُنافس الدولةُ من داخلها، وبأيدي من يفترض أنهم أمناؤها، فإن الخطر لا يكون عابرًا، بل وجوديًا، يمسّ فكرة الوطن ذاتها، ويضع المجتمع على حافة فقدان المعنى قبل فقدان الأرض.