حين تتحول الرداءة إلى نظام / سيدي عيلال

لم تعد الرتابة عارضًا عابرًا، ولا الرداءة سقطة ظرفية، بل غدت نهجًا متكاملًا يدار به الشأن العام، وتُقاس به الكفاءة، ويُعاد إنتاجه بوقاحة وكأنه قدر لا يُرد. تيهُ البوصلة لم يعد مجرد ارتباك في الاختيار، بل انكسارٌ متعمد في الوعي، وفشلُ فريقٍ مغشوشٍ لم يأتِ به الاستحقاق ولا حملته التضحية، وإنما زُجَّ به زجًّا ليكون أداة هدم لا إدارة.
إن سخافة الإنتاج—فكرًا وقرارًا وممارسة—تُجسّد اليوم أخطر مظاهر التراجع، لأنها لا تكتفي بتبديد الموارد، بل تهدم المعنى ذاته، وتفرغ المشروع الوطني من روحه، وتحيله إلى قشرة خاوية. هذا المشروع الذي صاغه آخرون بعرقهم، وصححوا اختلالات تأسيسه المرتجل بثمنٍ فادح، وضحّوا بالروح والحصص والراحة، يُترك الآن نهبًا لأذناب السلف، يعبثون به جهلًا حينًا، وبعمدٍ فاضح حينًا آخر.
إن ما يجري ليس مجرد سوء تسيير، بل تدميرٌ منهجي للمحصلة المادية والمعنوية والأخلاقية للشعب؛ شعبٌ محاصر بين ضرورة البقاء ومرارة الواقع، تُستنزف طاقته في النجاة اليومية، بينما تُدار الدولة بعقلية العصابة، وتُختزل المسؤولية في الوقاحة، وتُستبدل الكفاءة بالولاء، والمعنى بالضجيج.
هكذا تُسحق التضحيات مرتين: مرة حين قُدّمت لبناء وطن قابل للحياة، ومرة حين يُسلَّم هذا الوطن لمن لا يرى فيه سوى غنيمة. وفي هذا المشهد، لا يكون الخطر في سقوط مشروعٍ فحسب، بل في تطبيع الرداءة حتى تغدو قاعدة، وتغدو المقاومة فعلًا شاذًا، ويُطلب من الشعب أن يتعايش مع الانحدار كما لو كان خيارًا، لا جريمة مكتملة الأركان.