حين تفتح الابواب للتمديد .. يغلق الافق أمام الزطن / سيدي عيلال

ليست الدعوة الصريحة إلى فتح المأموريات مجرد رأي سياسي عابر، ولا هي اجتهاد في قراءة نص دستوري قابل للتأويل؛ بل هي في جوهرها مساسٌ بفكرة الدولة الحديثة نفسها، وانقلابٌ معلن على فلسفة التعددية والتناوب التي شُيِّدت عليها آمال الانتقال الديمقراطي.
إن تحديد المأموريات لم يكن يومًا قيدًا شخصيًا على حاكم، وإنما كان قيدًا على السلطة ذاتها، حتى لا تتحول من خدمة عامة إلى ملكية سياسية مغلّفة بشرعية الصندوق. وهو صمّام أمانٍ يحمي الدولة من غواية البقاء، ويُطمئن المجتمع إلى أن التداول سنةٌ دستورية لا مِنّة فيها لأحد.
وحين تصدر دعوات فتح المأموريات من جهة واحدة، ومن حلفٍ سياسي يُحسب – جغرافيًا على الأقل – على رئيس الجمهورية، فإن الأمر يتجاوز حدود “الولاء السياسي” إلى شبهة توظيف المجال العام لخدمة استمرار بعينه. هنا لا يعود الحديث عن اجتهاد وطني، بل عن انحيازٍ يُربك التوازن، ويُضعف الثقة، ويبعث برسالة مقلقة مفادها أن قواعد اللعبة قابلة للتغيير متى اقتضت مصلحة طرفٍ بعينه.
الأخطر من ذلك أن هذه الدعوات تُغفل – أو تتغافل – عن أن الديمقراطية ليست مجرد انتخابات دورية، بل ثقافة تداول، واحترام تعاقد، وإيمان بأن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بتمديد الأشخاص، بل بترسيخ المؤسسات. فالتغيير السلس الآمن والمنصف لا يتحقق عبر ليِّ أعناق النصوص، وإنما عبر الالتزام بها، حتى حين لا تُرضي الطامحين إلى البقاء.
إن الأمم التي تتردد عند عتبة التمديد كثيرًا ما تجد نفسها في دهاليز الانقسام، لأن العبث بسقف المأموريات يفتح الباب لتآكل الثقة، ويُعيد طرح سؤال الشرعية في كل مرة. أما الدول التي تحترم حدود السلطة، فإنها تؤسس لتقاليد راسخة، يكون فيها المنصب عابرًا، والوطن هو الثابت.
من هنا، فإن الدفاع عن مبدأ تحديد المأموريات ليس اصطفافًا ضد شخص، بل هو انحيازٌ لفكرة الدولة، وصونٌ لروح الدستور، وحمايةٌ لمسارٍ ديمقراطي ما زال في حاجة إلى التثبيت لا إلى المغامرة. فالتاريخ لا يُمجّد من أطالوا البقاء، بل من رسّخوا القواعد ومضوا، تاركين وراءهم مؤسسات أقوى من أسمائهم.