بين التدشين والثقة: الشباب وقانون الرموز في ميزان الاتساق / سيدي عيلال

مع انتهاء زيارة رئيس الجمهورية لولاية كوركول، لا يكفي أن نسأل: ماذا دُشّن؟ بل يجب أن نسأل: ماذا تغيّر في وعي الناس؟ ماذا تبدّل في شعور الشباب الذين ينتظرون فرصة، لا خطابًا؟
أولًا: ماذا دُشّن… وماذا وُعِد؟
في مثل هذه الزيارات تُعلن مشاريع بنى تحتية، وتُعطى وعود بتمكين الشباب، وتشجيع الاستثمار، وتحسين الخدمات.
لكن السؤال الأعمق:
هل هذه المشاريع جزء من رؤية متكاملة تعالج جذور الأزمة، أم هي استجابة ظرفية لامتصاص الاحتقان؟
التدشين في حد ذاته ليس إنجازًا إن لم يكن امتدادًا لسياسة واضحة تُراكم النتائج.
والوعد لا يطمئن الناس ما لم يسبقه سجلّ من الالتزام والوفاء.
الشباب لا يبحث عن صور قصّ الشريط، بل عن:
فرص عمل مستقرة
مناخ سياسي آمن
فضاء حر للتعبير
عدالة في توزيع الفرص
فإن غابت هذه الشروط، تحوّل التدشين إلى حدث إعلامي، لا إلى تحول تنموي.
ثانيًا: هل استجاب الشباب المهاجر لنداء الرئيس؟
الشباب المهاجر لا يغادر وطنه بدافع المغامرة وحدها، بل بدافع القلق.
القلق من انسداد الأفق، ومن غموض المستقبل، ومن شعورٍ بأن المشاركة لا تغيّر شيئًا.
العودة لا تكون بنداء عاطفي، بل بضمانات عملية:
بيئة قانونية تحمي المبادرة
اقتصاد يستوعب الطاقات
إدارة لا تعاقب الرأي
الشاب الذي غامر بحياته في البحر أو الصحراء لن يعود لأن الخطاب كان مؤثرًا، بل لأن الشروط تغيّرت فعلاً.
ثالثًا: هل اطمأن شباب الداخل؟
شباب الداخل يعيش مفارقة:
يُدعى إلى المشاركة، لكنه يرى التضييق.
يُطلب منه الانخراط، لكنه يخشى الكلمة.
والشباب بطبيعته حسّاس تجاه التناقض بين الخطاب والممارسة.
إن شعر بأن المشاركة حقيقية ومؤثرة، انخرط.
وإن شعر بأنها شكلية أو مقيّدة، انسحب أو هاجر.
رابعًا: كيف نوفق بين دعوة المشاركة وقانون الرموز؟
هنا لبّ الإشكال.
إن كان المقصود بـ قانون الرموز هو حماية هيبة الدولة ومنع الإساءة، فهذه غاية مفهومة في كل الدول.
لكن الإشكال ليس في المبدأ، بل في التطبيق وحدود التأويل.
الشباب يحتاج إلى:
مساحة للنقد
حق في الاعتراض
قدرة على مساءلة السلطة
فإذا شعر أن القانون قد يُستخدم لتجريم الرأي، فإن دعوة المشاركة تفقد مصداقيتها.
المعادلة الدقيقة هي:
لا دولة بلا احترام رموزها،
ولا شباب بلا حرية تعبير.
والموازنة بين الاثنين تتطلب:
وضوحًا في النصوص
عدالة في التطبيق
ضمانات قضائية مستقلة
خطابًا رسميًا يميّز بين النقد المشروع والإساءة المتعمدة
اما السؤال الحقيقي فهو ليس:
هل استجاب الشباب؟
بل:
هل البيئة السياسية والاقتصادية تسمح لهم بالاستجابة؟
الدعوة إلى العودة والمشاركة تحتاج إلى بيئة ثقة،
والثقة لا تُبنى بالخطاب وحده، بل بالاتساق بين الدعوة والقانون،
بين الوعد والممارسة،
بين الحديث عن الشباب والإنصات لهم.
فإن تحقق هذا الاتساق، عاد المهاجر، واطمأن المقيم، وانخرط الشباب.
وإن بقي التناقض قائمًا، ستظل الأسئلة أكبر من الإجابات،
وسيظل الشباب واقفًا على عتبة التردد، بين وطن يحبّه… ومستقبل يخشاه.