Uncategorizedالأخبارمقالات

ليس رفضًا للضريبة… بل رفضٌ لأن يدفع الشباب ثمن النهب / سيدي عيلال

ما يجري في سوق الهواتف، في تلك “النقطة الساخنة” التي تغلي بأحلام الشباب قبل أن تغلي بالأجهزة والشواحن، ليس تمرّدًا على القانون، ولا عصيانًا على الدولة، ولا دعوة إلى الفوضى. إنّه صرخة عقلٍ يقول: رتّبوا البيت قبل أن تطلبوا من أبنائه تسديد الفاتورة.
لسنا ضد الضريبة من حيث هي أداة تنظيم وعدالة، ولسنا دعاة انفلات أو تهرّب. لكن أي عدالة تُرجى حين يُطالَب نشاطٌ ناشئ — هو مصدر رزق عشرات الآلاف من الشباب — بأن يتحمّل أعباءً كاملة قبل أن يُعرَّف الناس به، وقبل أن يُرسَّخ في السوق، وقبل أن يقف على قدميه دون عكاز الخوف؟
أليس من حقّ روّاده أن يُمنحوا فترة إعفاء مرحلية، تُشجّعهم بدل أن تُربكهم، وتحتضنهم بدل أن تُضيّق عليهم؟
إن عصرنة الجباية، ورقابتها، وسدّ منافذ الفساد، أولى — وأجدر — من توسيع الوعاء الضريبي على الحلقة الأضعف. فالدولة القوية لا تبدأ من جيوب المبتدئين، بل من إصلاح مسارات المال العام، ومن قطع الطريق أمام نزيفه.
ثم بأي منطق يُقال لنا إن 410 مليارات أوقية يمكن أن تتبخر في عام واحد، ويُختصر الأمر في عبارة باردة مستفزة: “سوء تسيير”؟
يا لبلاغة العبارة! كأن المال العام يسقط سهوًا من جيب الدولة كما تسقط قطعة نقدية من جيب طفل!
أهو سوء تسيير أم سوء مساءلة؟ أم سوء إرادة في تسمية الأشياء بأسمائها؟
هل يظن واضعو الاستراتيجيات أن صيانة المال العام تتم عبر تبرير النهب ثم البحث عن ضرائب جديدة لسدّ فجوة صنعها الفساد؟
هل يُعقل أن يُطلب من شباب بالكاد وجدوا لأنفسهم موطئ قدم في اقتصاد مضطرب أن يدفعوا ثمن اختلالات لم يصنعوها؟
إن الحزن هنا ليس على الضريبة، بل على ترتيب الأولويات.
والأسى ليس على القانون، بل على انتقائية تطبيقه.
والتهكم ليس رفضًا للدولة، بل دفاعًا عنها ضد أن تُختزل في جابي ضرائب سريع، ومحاسب بطيء.
دعوا هذا النشاط يتنفس.
امنحوه فسحة زمنية تُرسّخ ثقافة الالتزام بدل أن تزرع ثقافة النفور.
عرّفوا الناس به، نظّموه، واكسبوا ثقته أولًا.
فالعدالة الضريبية لا تبدأ بالجباية، بل بالثقة.
والثقة لا تُبنى بعبارة “سوء تسيير”، بل بمحاسبة صريحة، شفافة، تُعيد للمال العام هيبته، وللشباب كرامة الكسب والأمل.

زر الذهاب إلى الأعلى