Uncategorizedالأخبارمقالات

بين العدالة والوحدة: معركة بناء لا هدم / سيدي عيلال

لقد نشأت حركة (فلام flam ) كنشأت بعض الحركات الاحتجاجية في بلادنا كردّة فعل على شعورٍ متراكم بأن مكوّنًا اجتماعيًا واحدًا يسعى للهيمنة على مفاصل الدولة في مرحلةٍ كانت فيها الجمهورية فتية، خرجت لتوّها من مخاض عسير.
في تلك اللحظة التاريخية الحساسة، لم يكن الخلل في الشعار الجامع بقدر ما كان في ضعف تنزيله على أرض الواقع؛ فقد تهاونت النخب أحيانًا في تطبيق القانون بعدل، وغلبت المجاملة على الحزم، وتقدّمت الحسابات الضيقة على روح الجمهورية التي يفترض أن تحمي الجميع دون استثناء.
غير أن أي حركة وُلدت من رحم الاحتجاج تظل جزءًا من المشهد الوطني، شأنها في ذلك شأن حركات الكادحين، والقوميين، والإسلاميين وغيرهم؛ تختلف المرجعيات، وتتعدد التشكيلات، لكن الإطار يظل وطنيًا. ومع تطور التجربة، تدرك الحركات الجادة أن النضال الحقيقي ليس في هدم البيت المشترك، بل في إصلاح أعمدته وتقوية أسسه.
إن التمسك بحقوق الضحايا والوفاء لتضحيات المؤسسين حق مشروع لا جدال فيه، لكنه لا يتناقض مع ضرورة مراجعة الاستراتيجيات الأولى، خاصة حين تلامس خطوطًا حمراء كالدعوة إلى الانفصال أو تقسيم الوطن. فالوطن ليس ورقة تفاوض، ولا ردّ فعل عاطفيًا؛ هو قدرٌ مشترك ومسؤولية جماعية، وأي طرح يقود إلى تمزيقه مرفوض أخلاقيًا وسياسيًا وتاريخيًا.
من الإيجابي اليوم أن تُعبّر بعض قيادات الحركة عن استعدادها للتأقلم مع القوانين الوطنية والعمل من داخل الإطار الجمهوري. هذا التحول – ولو كان بطيئًا – مؤشر نضج، ويجب أن يُقابل بجسر ثقة حقيقي من الدولة والمجتمع معًا: تطبيق عادل للقانون، إنهاء الانتقائية، وفتح المجال السياسي أمام الجميع دون إقصاء أو وصم.
إن رفض العنصرية لا يعني استبدال عنصرية بأخرى، ورفض الهيمنة لا يعني القبول بالتقسيم. الخيار الوحيد القابل للاستمرار هو دولة القانون التي تساوي بين مواطنيها، وتحمي تنوعهم، وتمنع أي فئة – مهما كانت – من احتكار الوطن أو التحدث باسمه منفردة.
إن وحدة الوطن ليست شعارًا عاطفيًا، بل شرط بقاء. والعدالة ليست تنازلًا، بل أساس الاستقرار. وكل دعوة تُغذّي الانقسام أو تُؤسس للفرز العرقي مرفوضة بوضوح، كما يُرفض في المقابل أي تهاون في تطبيق القانون أو أي شكل من أشكال الإقصاء. فالجمهورية تتسع للجميع… أو تفقد معناها.

زر الذهاب إلى الأعلى