الحوار بين ترسيخ الديمقراطية ومقامرة العبث بالمشروع الوطني / سيدي عيلال

إنّ أيَّ حوارٍ يُقصي ولا يُشرك، ويُرتّب نتائجه سلفًا قبل أن تُطرح أسئلته، يفقد معناه قبل أن يبدأ. فالحوار في جوهره ليس إجراءً شكليًا ولا واجهةً تجميلية، بل هو أداة تأسيس وبناء، ومحرّك لتصحيح الاختلالات وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.
فإن لم تكن الغاية من أي حوارٍ وطني هي تدعيم النظام الديمقراطي التعددي التناوبي، وترسيخ مبدأ التداول السلمي على السلطة، وتعزيز الفصل الحقيقي بين السلطات، وصون استقلال القضاء، وضمان المساواة أمام القانون دون تمييز أو انتقاء، فإنه يتحول من فرصة إصلاح إلى عبءٍ سياسي وأخلاقي.
الحوار الذي لا يهدف إلى حماية العدالة وتكريس مبدأ المواطنة المتساوية، ولا يسعى إلى تحصين المؤسسات من النزعات الفردية أو الهيمنة الفئوية، يصبح مجرد تمرينٍ في إدارة الصورة، لا في إدارة الدولة. وهو بذلك يعبث بالمبررات التي يستند إليها أي نظام في استمرار شرعيته؛ لأن شرعية الأنظمة الحديثة لا تقوم على القوة ولا على الأمر الواقع، بل على احترام العقد الوطني وروح الدستور.
إن المشروع الوطني ليس ملكًا لجيلٍ دون آخر، ولا لفئةٍ دون غيرها. هو حصيلة تضحيات وتراكمات، وأي عبث بأسسه أو استهتار بروحه هو مقامرة غير محسوبة العواقب. فالديمقراطية ليست شعارًا يُرفع عند الحاجة، بل منظومة متكاملة تتطلب شجاعة في التنازل كما تتطلب حكمة في القيادة.
والحوار، إذا أُحسن تصميمه، يمكن أن يكون لحظة إنقاذ وتثبيت لمسار الدولة؛ أما إذا صُمم ليكون انتقائيًا أو إقصائيًا، فإنه يُفرغ نفسه من جدواه ويزرع بذور الشك بدل أن يعيد بناء الثقة.
المطلوب إذن ليس حوارًا بأي ثمن، بل حوارًا بمقاصد واضحة، وأهداف معلنة، وضمانات ملزمة؛ حوارًا يرسّخ الديمقراطية لا يُزيّنها، يحمي المشروع الوطني لا يغامر به، ويجعل من الدولة إطارًا جامعًا لكل أبنائها، لا ساحةً لتصفية الحسابات أو تكريس الهيمنة.
عندها فقط يكون الحوار استثمارًا في المستقبل، لا مخاطرةً به.