Uncategorizedالأخبارمقالات

سيادة القرار وأمن الجوار: نحو معادلة إقليمية تُبنى من الداخل/ سيدي عيلال

تعيش المنطقة لحظة اختبارٍ صعب، حيث تتقاطع الحسابات الدولية مع هواجس الأمن الإقليمي، ويغدو الضجيج الإعلامي أعلى من صوت الحكمة. وفي خضمّ المواجهة الراهنة التي تخوضها إيران، يتبدّى مشهدٌ يتجاوز حدود دولة بعينها، ليطرح سؤالًا أوسع: كيف تصون الأمم سيادتها حين تشتدّ العواصف؟
لقد اعتادت الجمهورية الإسلامية في إيران أن تُقرأ في سياق التجاذبات الكبرى، وأن تُختزل أدوارها في عناوين متوترة.
غير أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأنّ الدول، مهما اختلفت حولها المواقف، تملك حقّ الدفاع عن أمنها القومي وصون قرارها السيادي.
وعندما تتعرض لضغوط أو تهديدات، فإنّ ثباتها لا يُعدّ مغامرة، بل تعبيرًا عن إرادة الاستقلال التي قامت عليها فكرة الدولة الحديثة.
إنّ ما يجري اليوم ليس مواجهةً عسكرية فحسب، بل هو صراعُ إراداتٍ حول شكل النظام الإقليمي في غرب آسيا. ومن هنا، فإنّ دعم حقّ إيران في حماية مصالحها لا يعني تبنّي كل سياساتها، بل تأكيد مبدأ ثابت: لا يُصان الاستقرار بتطويق الدول أو بمحاصرتها، وإنما بالاعتراف المتبادل بالمصالح والحدود.
ولعلّ الأهم في هذه اللحظة هو ما ينبغي أن يتأمله جيران إيران، بل وجيران كل دولة تشهد توترًا مشابهًا. إنّ الاعتماد المفرط على قواعد أجنبية لحماية الأمن الوطني يثير سؤالًا مشروعًا حول جدوى هذا الخيار على المدى البعيد. فالقواعد العسكرية ليست مجرد منشآت تقنية؛ إنها تعبيرٌ عن توازنات قوة، وقد تتحول في أوقات الأزمات إلى عوامل استقطابٍ تستجلب التوتر بدل أن تردعه.
لقد أثبت التاريخ القريب أنّ الأمن المستدام لا يُستورد، بل يُبنى. وأنّ الرهان على الحماية الخارجية قد يمنح طمأنينة مؤقتة، لكنه لا يُنشئ قدرة ذاتية حقيقية. إنّ مراجعة مبررات وجود قواعد أجنبية فوق الأراضي الوطنية ليست دعوة إلى العزلة، بل إلى إعادة تعريف مفهوم السيادة في ضوء التجارب. فالدول القادرة على الاستثمار في قدراتها الدفاعية، وعلى نسج منظومات تعاون إقليمي متكافئ، تكون أقدر على تجنيب شعوبها كلفة الانخراط في صراعات الآخرين.
وفي هذا السياق، فإنّ الطريق الأجدى لدول المنطقة يتمثل في تعميق التكامل الأمني والاقتصادي فيما بينها، بعيدًا عن الاصطفافات الحادة. فالمصالح المشتركة، من أمن الطاقة إلى حماية الممرات البحرية، لا يمكن أن تُدار بعقلية الاستقطاب الدائم. والتوازن لا يُبنى بالتحالف ضدّ جار، بل بالحوار معه.
إنّ اللحظة الراهنة فرصة لمراجعة شاملة: مراجعة للخطاب المتشنج، ولمعادلات الردع التي تُدار من خارج الإقليم، وللافتراض القائل إنّ الاستقرار يُشترى عبر التبعية. فحين تتكئ الدول على مقدراتها الذاتية، وتُعلي من شأن التعاون الإقليمي، فإنها تُحصّن نفسها من أن تتحول إلى ساحات صراعٍ بالوكالة.
في النهاية، ليس المطلوب تمجيد طرفٍ أو شيطنة آخر، بل تثبيت مبدأ بسيط: سيادة الدول وحقها في الأمن أساسُ أي نظامٍ إقليمي متوازن. ودعم إيران في دفاعها عن مصالحها، ضمن إطار القانون الدولي، ينبغي أن يقترن بدعوة جادة إلى جيرانها كي يعيدوا النظر في خياراتهم الأمنية، وأن يثقوا بأنّ قوة الداخل أرسخ من مظلة الخارج، وأنّ الاستقلال الحقيقي يبدأ من قرارٍ وطنيٍ لا يُستعار.

زر الذهاب إلى الأعلى