حين تتكلم الشعوب… يتغير ميزان الحرب سيدي عيلال

ليست الحروب الكبرى في حقيقتها صراع جيوشٍ فحسب، بل هي ـ قبل ذلك وبعده ـ اختبارٌ لإرادة الشعوب. فالتاريخ يُجمع على أن العامل الحاسم في النزاعات الطويلة ليس وفرة السلاح ولا صخب التحالفات، بل قدرة المجتمعات على الصمود، واستعدادها لتحمل الأعباء دفاعاً عن قضاياها.
في إيران ولبنان وفلسطين، تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحاً. فهناك، حيث تتقاطع الجبهات وتشتد الضغوط، يبقى الرهان الأكبر على الشعب: على صلابته، وعلى استمرار دعمه لجيوشه وقوى المقاومة، وعلى حفاظه على تماسك الجبهة الداخلية. فحين يتماسك المجتمع، تتحول الجيوش إلى قوةٍ مضاعفة، ويصبح الصمود نفسه شكلاً من أشكال الانتصار.
أما في الخليج والأردن ومصر وتركيا وبلدان المغرب العربي، فإن دور الشعوب يأخذ شكلاً آخر لا يقل أهمية. فهنا تبرز الحاجة إلى صوتٍ شعبيٍ واضح يعبّر عن عدم الرضا عن السياسات التي دفعت بالمنطقة إلى حافة هذا الانفجار، وعن التبعات الخطيرة لنهج التصعيد الذي تبنته إدارة دونالد ترامب وحكومة بنيامين نتنياهو.
إن أقل ما يمكن أن تفعله المجتمعات هو أن تُذكّر حكوماتها بأن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى على الالتحاق الأعمى بالاستراتيجيات الخارجية، ولا على التعويل المفرط على القواعد العسكرية الأجنبية.
لقد أظهرت الوقائع أن تلك القواعد ـ التي قُدِّمت طويلاً باعتبارها مظلة حماية ـ قد تعجز أحياناً حتى عن حماية نفسها، فكيف لها أن تكون ضمانة أكيدة لأمن الدول التي تستضيفها؟
إن هذا السؤال بات مشروعاً أكثر من أي وقت مضى، وهو سؤال لا بد أن يطرحه الرأي العام بجدية ومسؤولية.
وفي الضفة الأخرى من العالم، لا يقل دور الشعب الأمريكي أهمية. فالديمقراطيات تُقاس بقدرة مجتمعاتها على محاسبة قادتها حين تنحرف السياسات نحو المغامرة أو الفوضى.
ومن حق الأمريكيين ـ بل من واجبهم ـ أن يتساءلوا إن كانت سياسات التصعيد والتوتر تخدم أمنهم ومصالحهم حقاً، أم أنها تدفع العالم كله، بما فيه الولايات المتحدة، نحو مزيد من عدم الاستقرار.
إن ميزان هذه الحرب، في نهاية المطاف، لن تحدده فقط الصواريخ أو غرف العمليات، بل سيحدده أيضاً صوت الشعوب: حين تصمد حيث يجب الصمود، وتضغط حيث يجب الضغط، وتُذكّر الجميع بأن إرادة الناس تبقى ـ في آخر المطاف ـ القوة الأكثر حضوراً وتأثيراً في صناعة التاريخ.