الميزانية بين ضرورة الموارد وواجب الحكامة / سيدي عيلال

إنَّ ضبطَ مصادرِ الميزانية العامة وتحديثَها باستمرار أمرٌ طبيعيّ في أيِّ دولةٍ تسعى إلى مواكبة تطوّر اقتصادها وتنوّع مواردها. فالموارد التي كانت كافية بالأمس قد لا تفي باحتياجات اليوم، كما أن ظهور قطاعاتٍ جديدة أو توسّع أنشطةٍ اقتصادية يفرض مراجعة آليات التحصيل ومصادر التمويل. غير أنّ هذه الحقيقة، على أهميتها، لا ينبغي أن تُختزل في مجرد توسيع دائرة الجباية أو إثقال كاهل القطاعات المنتجة، لأن جوهر المسألة أعمق من ذلك بكثير.
فالميزانية في جوهرها عقدٌ غير مكتوب بين الدولة والمجتمع: يساهم المواطن والفاعل الاقتصادي في تمويلها، مقابل أن تُدار تلك الموارد بشفافية، وأن تُوجَّه لخدمة الصالح العام. ومن هنا فإن ضبط الموارد لا يكتمل إلا بضبط أوجه الصرف، وإرساء نظام صارم للرقابة والمساءلة يطال كل من يسيء التسيير أو يعبث بالمال العام. فالتجارب أثبتت أن الخلل في كثير من الأحيان لا يكمن في نقص الموارد بقدر ما يكمن في ضعف الحكامة وسوء إدارة المتاح منها.
إنّ توسيع الوعاء الضريبي أو تحديث مصادر الميزانية ينبغي أن يواكبه جهد حقيقي في ترسيخ ثقافة المحاسبة والشفافية، لأن الثقة هي الشرط الأساسي لأي نظام جبائي ناجح. وحين يشعر المواطن أو المستثمر بأن ما يقدمه من ضرائب يذهب فعلًا إلى التنمية والخدمات العامة، فإن الالتزام الضريبي يتحول من عبء مفروض إلى مساهمة وطنية واعية.
كما أن توعية الفئات المستهدفة بالضرائب وإشراك ممثليها في مناقشة القوانين المنظمة لها ليس مجرد إجراء شكلي، بل هو ممارسة ديمقراطية واقتصادية راشدة. فالقوانين التي تُصاغ في عزلة غالبًا ما تواجه بالرفض أو التحايل، بينما القوانين التي تُبنى على الحوار والتشاور تكون أكثر واقعية وقابلية للتطبيق.
إنّ إشراك الفاعلين الاقتصاديين والنقابات والمهنيين في صياغة السياسات الضريبية يعزز الشعور بالشراكة الوطنية، ويحدّ من التوتر بين الإدارة والمكلفين بالضريبة. كما أنه يفتح الباب أمام مقترحات عملية لتحسين التحصيل ومحاربة التهرب الضريبي، لأن من يعيشون واقع الاقتصاد اليومي هم الأقدر على تشخيص مواطن الخلل.
وعليه، فإن مساهمة مختلف القطاعات في ميزانية الدولة تبقى ضرورة لا غنى عنها لضمان تمويل الخدمات العمومية وتحقيق التنمية. لكن هذه المساهمة لا يمكن أن تستمر في مناخ من الشك أو الإحساس بعدم العدالة. فالعدالة الجبائية، والشفافية في الإنفاق، والصرامة في محاربة الفساد وسوء التسيير، هي الضمانات الحقيقية التي تجعل النظام المالي للدولة متوازنًا وقابلًا للاستمرار.
وفي نهاية المطاف، فإن بناء ميزانية قوية لا يتحقق فقط بزيادة الموارد، بل بتحقيق معادلة دقيقة: موارد تُحصَّل بعدل، ونفقات تُدار بحكمة، ورقابةٌ لا تستثني أحدًا. عندها فقط تتحول الميزانية من مجرد أرقام في وثيقة رسمية إلى أداة حقيقية لخدمة المجتمع وتعزيز الثقة بين الدولة ومواطنيها.