حين تتحوّل الأزمات إلى فرصٍ للجباية / سيدي عيلال

العنوان المقترح:
حين تتحوّل الأزمات إلى فرصٍ للجباي
ليس أخطر على المجتمعات من أزماتٍ تُدار بعقلية المنتظر للغنيمة لا بعقلية الباحث عن النجاة. فاللجوء السريع إلى زيادة أسعار المحروقات، وكأنه الخيار الأسهل والأقرب، يكشف خللاً أعمق من مجرد عجزٍ ظرفي؛ إنه يعري هشاشة التفكير الاقتصادي، وضحالة الإرادة في ابتكار حلول رحيمة تحفظ توازن المجتمع وتراعي قدرة المواطن المنهك أصلاً.
إنّ الحديث عن أرباحٍ هائلة تُقدّر بالمليارات – سواء صحت الأرقام المتداولة أم لم تصح – يطرح سؤالاً أخلاقياً قبل أن يكون اقتصادياً: كيف يُطلب من المواطن أن يتحمّل عبء التصحيح، بينما تظل هوامش الربح بمنأى عن أي مراجعة جادة؟ وأي منطق هذا الذي يجعل التقشف واجباً على الضعيف، وامتيازاً مؤجلاً على القوي؟
ثم إنّ غياب الضغط الحقيقي على الشريك المنفّذ لتقليص أرباحه – ولو مرحلياً – لا يُقرأ إلا بوصفه غياباً للإرادة السياسية في تقاسم الأعباء. ففي الأزمات، تُقاس صدقية السياسات بمدى عدالتها، لا بمدى سرعتها. وكان بالإمكان – لو توفرت النية – أن يُعاد توزيع الخسائر بشكلٍ يخفف الصدمة، ويبعث رسالة طمأنة مفادها أن الدولة ليست وسيط جباية، بل مظلة حماية.
لكن ما يحدث يعكس نمطاً مكروراً: عند أول إنذار، تُستدعى جيوب المواطنين كحلّ جاهز، وكأنها الخزان الاحتياطي الذي لا ينضب. وهذا السلوك لا يشي فقط بعجز في الأدوات، بل أيضاً بغياب الخيال السياسي والاقتصادي القادر على تجاوز الحلول السطحية.
إن رفع الأسعار في مثل هذه الظروف لا يبدو قراراً اضطرارياً بقدر ما يبدو خياراً مريحاً لمن اعتادوا تحميل الكلفة للآخرين. وهنا تكمن الخطورة: حين تتحول الأزمات من امتحان للعدالة إلى فرصة لتعميق الاختلال، يصبح الاحتقان نتيجة طبيعية، لا طارئة.
وفي النهاية، ليست المشكلة في قرارٍ بعينه، بل في الذهنية التي تنتجه: ذهنية ترى في المواطن الحلقة الأضعف التي يسهل كسرها، بدل أن تراه شريكاً يجب حمايته. وهذه ليست مجرد سياسات خاطئة، بل رؤية تحتاج إلى مراجعة جذرية قبل أن تتحول كل أزمة قادمة إلى فرصة جديدة… لإرهاق من لا يحتمل.