بين الحذر والتعاون: مقاربات لاحتواء التوتر على الحدود الموريتانية المالية / سيدي عيلال

يشهد الشريط الحدودي بين موريتانيا ومالي حالة من الهشاشة المتزايدة، نتيجة تداخل عوامل أمنية وسياسية واقتصادية معقدة. فهذه المنطقة، التي لطالما شكلت فضاءً للتواصل الاجتماعي والتجاري، أصبحت اليوم عرضة لتداعيات عدم الاستقرار في العمق المالي، خاصة مع تنامي نشاط الجماعات المسلحة وضعف حضور الدولة في بعض المناطق و تدخل قوی دولية عظمی وتزايد اهتمامها بشبه المنطقة .
إن الخطى التائهة تعكس جانبًا من الواقع، حيث تبدو السياسات أحيانًا أقرب إلى ردود الفعل منها إلى استراتيجيات استباقية منسقة. فموريتانيا، رغم اعتمادها مقاربة أمنية أكثر صرامة خلال السنوات الماضية، تجد نفسها أمام تحدي التوازن بين حماية حدودها والحفاظ على علاقات حسن الجوار.
في المقابل، تواجه مالي وضعًا داخليًا معقدًا يحدّ من قدرتها على بسط السيطرة الكاملة على أراضيها، وهو ما ينعكس مباشرة على استقرار الحدود المشتركة.
غير أن اختزال المشهد في البعد الأمني فقط قد يكون قاصرًا. فالحدود ليست مجرد خطوط فاصلة، بل هي مجال حيّ تتقاطع فيه المصالح اليومية للسكان المحليين، من رعي وتجارة وتنقل. وبالتالي، فإن أي مقاربة ناجعة ينبغي أن تراعي البعد الإنساني والاجتماعي، إلى جانب البعد الأمني.
من هنا تبرز أهمية نثر “ سماد الثقة” كمدخل ضروري لإعادة بناء التفاهم بين الجانبين. ويمكن ترجمة ذلك عمليًا عبر:
تعزيز قنوات الاتصال المباشر بين السلطات المحلية على جانبي الحدود لإشاعة الهدوء بدل بث الاستفزاز، و
دعم المبادرات المشتركة للتنمية في المناطق الحدودية؛
إشراك المجتمعات المحلية في جهود التهدئة، باعتبارها الأكثر تأثرًا والأقدر على المساهمة في الاستقرار؛
تنسيق الجهود الأمنية بشكل يراعي السيادة ويحقق الفعالية في آن واحد .
.كما أن إعادة تنشيط الأطر الإقليمية للتعاون، سواء الثنائية أو متعددة الأطراف، قد تسهم في توفير غطاء مؤسسي لمعالجة الإشكالات المتراكمة، بدل تركها رهينة المعالجات الظرفية.
في المحصلة، لا يبدو أن خيار التصعيد يخدم أياً من الطرفين، في حين أن الاستثمار في الثقة، وإن بدا بطيئًا ومكلفًا، يظل المسار الأكثر استدامة. فالجغرافيا حكم دائم، والتاريخ رصيد مشترك، وما بينهما يمكن بناء مستقبل أكثر استقرارًا إذا توفرت الإرادة والرؤية و تمكن الجميع من حماية استقلالية قراره .