Uncategorizedالأخبارمقالات

موريتانيا فوق جراح التصنيف وخطاب الكراهية

ليست الأوطان مهددة بتعدد ألوان أبنائها ولا باختلاف أعراقهم، فالتنوع حين يستقر في وجدان الشعوب يتحول إلى مصدر غنى وقوة واتساع إنساني. وإنما الخطر الحقيقي يبدأ يوم تُحوَّل المظالم السياسية والاجتماعية إلى عداوات وجودية، ويُدفع الناس إلى النظر لبعضهم بوصفهم خصوما بحكم اللون أو الانتماء، لا شركاء في وطن واحد ومصير واحد.

ومن أكثر ما أضر بالمجتمعات أن بعض النخب جعلت من الجراح وقودا للاستثمار السياسي، ومن الذاكرة المثقلة مدخلا لإعادة إنتاج الانقسام.
والحقيقة التي يحاول كثير من دعاة التحريض تجاهلها هي أن العنصرية ليست قدرا محتوما على الشعوب، وإنما سلوك منحرف ينمو حين تتبناه السلطة، أو تغذيه المصالح الضيقة، أو تستثمره العقول المأزومة التي لا تعيش إلا على إدامة الصراع.

أما موريتانيا، فعلى الرغم من تعثرها السياسي واختلالاتها الاجتماعية وثقل جراحها القديمة، فقد بقيت في عمقها الشعبي أكبر من مشاريع الكراهية وأوسع من خطابات التصنيف العرقي. فهذا المجتمع الممتد بتنوعه الإنساني والثقافي لم تصنعه لحظة عابرة، بل نسجته قرون من التعايش والجوار والمصاهرة والدين المشترك والتاريخ المتداخل، ولذلك ظلت الروح الشعبية، في كثير من اللحظات، أصفى من حسابات السياسة وأنبل من هندسات السلطة.

إن تعميم تهمة العنصرية على مجتمع بأسره لا ينتصر للمظلوم، بل يفتح أبواب ظلم جديد، لأن الإنصاف الحقيقي يقتضي التمييز بين أخطاء الأنظمة وبين فطرة الناس، وبين استغلال النفوذ وبين طبيعة المجتمع ذاته.
وقد أثبت الواقع أن المواطن الموريتاني البسيط، مهما اختلف لونه أو لغته أو طبقته، أقرب بفطرته إلى التعايش من كثير من النخب التي تتغذى على الانقسام وتقتات من بقاء الجراح مفتوحة.

ولذلك فإن العقلاء لا يجعلون من الكراهية مشروعا، ولا من الثأر النفسي برنامجا سياسيا؛ لأن الأوطان لا تبنى بالأحقاد، وإنما تبنى بالعدل والإنصاف ورد الحقوق وصيانة المشترك الوطني. فالألم حين يهذبه الوعي يتحول إلى قوة إصلاح، أما حين تستثمره نزعات الانتقام فإنه يغدو معولا يهدم الجميع دون استثناء.

لقد استطاعت موريتانيا، في عمقها الاجتماعي، أن تتجاوز كثيرا من الفتن التي كان يمكن أن تمزق نسيجها الوطني، وبقيت روابط الدين والقرابة والجوار أقوى من أصوات التحريض الموسمية. ومن هنا فإن المعركة الحقيقية ليست ضد مكون اجتماعي بعينه، بل ضد الظلم أيا كان مصدره، وضد كل سياسة تجعل التفاوت والتهميش وسيلة للبقاء بدل أن تجعل العدالة أساسا للاستقرار.

أما أولئك الذين يحاولون اختزال الوطن في ثنائية ظالم ومظلوم على أساس العرق واللون، فهم لا يعالجون الجراح بقدر ما يعيدون إنتاجها في صورة أكثر خطرا. فالوطن لا تحميه خطابات الكراهية، وإنما يحميه وعي ناضج يعترف بالمظالم بشجاعة، دون أن يهدم جسور التعايش، ويطالب بالحقوق بثبات، دون أن يسقط في مستنقع الانتقام الجماعي.
سيدي عيلال مستشار جهوي

زر الذهاب إلى الأعلى