Uncategorizedالأخبارمقالات

حين تتحول الأزمات الوطنية إلى شماعة للهروب من الفشل

ليس أخطر على الأوطان من سلطةٍ تعجز عن مواجهة أزماتها الحقيقية فتلوذ بصناعة المعارك الوهمية، وتستبدل معالجة الفشل بتغذية الانقسام، وتُقايض الحقوق بإثارة المخاوف، حتى يصبح الوطن كله رهينة خطابٍ مرتبكٍ يهرب إلى الأمام كلما ضاقت به حقائق الواقع.

فحين تعجز النخبة المسيّرة عن وقف التراجع الاقتصادي، وتفشل في بناء دولة عدلٍ ومؤسسات، ثم تعتبر سوء التسيير قدرا لا يُراجع، وتغدو حماية المفسدين أولوية مقدمة على حماية قوت الشعب وكرامته، فإن الأزمة لا تعود أزمة حكومة فحسب، بل أزمة رؤيةٍ وحسٍّ وطنيٍّ ومسؤوليةٍ أخلاقية تجاه شعب أنهكته الوعود المؤجلة.

وحين تتراجع الحريات حتى يصبح النائب مهددا بسبب موقفه، والمدون مستهدفا بسبب رأيه، وتُعامل الكلمة الحرة باعتبارها جريمة، فذلك إعلان واضح عن خوف السلطة من الحقيقة، لأن الأنظمة الواثقة من عدالتها لا ترتعب من قلمٍ ولا تخشی رأيا، بل تواجه النقد بالإصلاح، وترد على الغضب بالإنصاف، لا بالسجون والتضييق ومصادرة الحقوق.
حين تتحول الأزمات الوطنية إلى شماعة للهروب من الفشل

ليس أخطر على الأوطان من سلطةٍ تعجز عن مواجهة أزماتها الحقيقية فتلوذ بصناعة المعارك الوهمية، وتستبدل معالجة الفشل بتغذية الانقسام، وتُقايض الحقوق بإثارة المخاوف، حتى يصبح الوطن كله رهينة خطابٍ مرتبكٍ يهرب إلى الأمام كلما ضاقت به حقائق الواقع.

فحين تعجز النخبة المسيّرة عن وقف التراجع الاقتصادي، وتفشل في بناء دولة عدلٍ ومؤسسات، ثم تعتبر سوء التسيير قدرا لا يُراجع، وتغدو حماية المفسدين أولوية مقدمة على حماية قوت الشعب وكرامته، فإن الأزمة لا تعود أزمة حكومة فحسب، بل أزمة رؤيةٍ وحسٍّ وطنيٍّ ومسؤوليةٍ أخلاقية تجاه شعب أنهكته الوعود المؤجلة.

وحين تتراجع الحريات حتى يصبح النائب مهددا بسبب موقفه، والمدون مستهدفا بسبب رأيه، وتُعامل الكلمة الحرة باعتبارها جريمة، فذلك إعلان واضح عن خوف السلطة من الحقيقة، لأن الأنظمة الواثقة من عدالتها لا ترتعب من قلمٍ ولا تخشی رأيا، بل تواجه النقد بالإصلاح، وترد على الغضب بالإنصاف، لا بالسجون والتضييق ومصادرة الحقوق.

وفي الوقت الذي ترتفع فيه الأسعار وتتآكل القدرة الشرائية وتتسع معاناة الناس، تبدو السلطة وكأنها منفصلة عن واقع المجتمع، منشغلة بإدارة الصورة بدل معالجة الجرح، وبصناعة المبررات بدل صناعة الحلول، بينما المواطن يزداد اختناقا بين قسوة المعيشة وغياب الأفق وتآكل الثقة.

أما ارتباك السياسة الخارجية وتيه بوصلتها، بالتوازي مع احتقان الداخل، فليس إلا نتيجة طبيعية لغياب مشروع وطني متماسك؛ إذ لا يمكن لدولةٍ مرتبكة داخليا أن تكون مستقرة الحضور خارجيا، لأن قوة المواقف في الخارج تبدأ من العدالة والانسجام والثقة داخل الوطن.

ومن هنا يصبح استدعاء ملف العنصرية أو التلويح الدائم بفزاعة حقوق الإنسان وسيلةً للهروب من الأسئلة الكبرى:
أين التنمية؟
أين محاربة الفساد؟
أين العدالة الاجتماعية؟
أين احترام الحريات؟
وأين الدولة التي يشعر فيها المواطن أن كرامته مصانة وأن مستقبله ليس رهينة الولاءات والزبونية وتغوّل النفوذ؟

إن عقلاء الناس لا يرفضون الإنصاف ولا يعادون الحقوق، بل يدركون أن العدالة ضرورة لبقاء الأوطان، لكن تحويل القضايا الحقوقية إلى أداة ابتزاز سياسي أو شماعة لتعليق الإخفاقات، هو في ذاته إساءة للحقوق وتفريغ لها من معناها النبيل، لأنه يخلط بين المطالب المشروعة وبين الاستثمار السلطوي في الأزمات.

فالأوطان لا تُبنى بإثارة الهلع، ولا بإدارة الانقسامات، ولا بتكميم الأفواه، وإنما تُبنى بالعدل والشفافية واحترام الإنسان والاعتراف بالفشل قبل استفحاله. وكل سلطةٍ تجعل من التخويف بديلا عن الإصلاح، ومن الخصومة مع شعبها منهجا، إنما تُسرّع تآكل الثقة وتدفع المجتمع نحو مزيد من الاحتقان والانقسام.

ويبقى أخطر ما في الأمر أن يتحول الصمت عن الفشل إلى ثقافة، وأن يصبح طلب الحقوق تهمة، وأن يُراد للشعب أن يختار بين الجوع والصمت أو التخوين والملاحقة، بينما الحقيقة أبسط من كل هذا الضجيج:
لا استقرار بلا عدالة، ولا هيبة لدولةٍ تُصادر الحريات، ولا مستقبل لوطنٍ يُطلب من أبنائه أن يتحملوا نتائج الفساد ثم يُمنعوا حتى من الاعتراض عليه.
سيدي عيلال مستشار جهوي
وفي الوقت الذي ترتفع فيه الأسعار وتتآكل القدرة الشرائية وتتسع معاناة الناس، تبدو السلطة وكأنها منفصلة عن واقع المجتمع، منشغلة بإدارة الصورة بدل معالجة الجرح، وبصناعة المبررات بدل صناعة الحلول، بينما المواطن يزداد اختناقا بين قسوة المعيشة وغياب الأفق وتآكل الثقة.

أما ارتباك السياسة الخارجية وتيه بوصلتها، بالتوازي مع احتقان الداخل، فليس إلا نتيجة طبيعية لغياب مشروع وطني متماسك؛ إذ لا يمكن لدولةٍ مرتبكة داخليا أن تكون مستقرة الحضور خارجيا، لأن قوة المواقف في الخارج تبدأ من العدالة والانسجام والثقة داخل الوطن.

ومن هنا يصبح استدعاء ملف العنصرية أو التلويح الدائم بفزاعة حقوق الإنسان وسيلةً للهروب من الأسئلة الكبرى:
أين التنمية؟
أين محاربة الفساد؟
أين العدالة الاجتماعية؟
أين احترام الحريات؟
وأين الدولة التي يشعر فيها المواطن أن كرامته مصانة وأن مستقبله ليس رهينة الولاءات والزبونية وتغوّل النفوذ؟

إن عقلاء الناس لا يرفضون الإنصاف ولا يعادون الحقوق، بل يدركون أن العدالة ضرورة لبقاء الأوطان، لكن تحويل القضايا الحقوقية إلى أداة ابتزاز سياسي أو شماعة لتعليق الإخفاقات، هو في ذاته إساءة للحقوق وتفريغ لها من معناها النبيل، لأنه يخلط بين المطالب المشروعة وبين الاستثمار السلطوي في الأزمات.

فالأوطان لا تُبنى بإثارة الهلع، ولا بإدارة الانقسامات، ولا بتكميم الأفواه، وإنما تُبنى بالعدل والشفافية واحترام الإنسان والاعتراف بالفشل قبل استفحاله. وكل سلطةٍ تجعل من التخويف بديلا عن الإصلاح، ومن الخصومة مع شعبها منهجا، إنما تُسرّع تآكل الثقة وتدفع المجتمع نحو مزيد من الاحتقان والانقسام.

ويبقى أخطر ما في الأمر أن يتحول الصمت عن الفشل إلى ثقافة، وأن يصبح طلب الحقوق تهمة، وأن يُراد للشعب أن يختار بين الجوع والصمت أو التخوين والملاحقة، بينما الحقيقة أبسط من كل هذا الضجيج:
لا استقرار بلا عدالة، ولا هيبة لدولةٍ تُصادر الحريات، ولا مستقبل لوطنٍ يُطلب من أبنائه أن يتحملوا نتائج الفساد ثم يُمنعوا حتى من الاعتراض عليه.
سيدي عيلال مستشار جهوي

زر الذهاب إلى الأعلى