الواجب الإنساني وإشكالات الإيصال: قراءة محايدة في مصير التبرعات الموجهة إلى غزة

تثير التبرعات التي قدمها الموريتانيون دعماً لأهالي غزة أسئلة مشروعة تتعلق بمصير هذه الأموال ومدى وصولها إلى مستحقيها، كما تثير الجدل الذي صاحب تصريحات السفير الفلسطيني والاتهامات التي أطلقها بعض الفاعلين السياسيين والحقوقيين. غير أن تناول هذه القضية بموضوعية يقتضي الفصل بين ما ثبت بالدليل وما يزال في دائرة الاتهام أو الشك.
فحتى اللحظة، لا تتوفر معطيات علنية وحاسمة تسمح بالجزم المطلق بأن جميع التبرعات وصلت إلى مستحقيها، كما لا توجد أدلة منشورة تثبت بشكل قاطع أنها لم تصل. وفي مثل هذه القضايا، يبقى الأصل هو مطالبة الجهات المشرفة بأعلى درجات الشفافية والمساءلة وتقديم تقارير دقيقة حول طرق التحويل وآليات التوزيع والجهات المستفيدة.
أما تصريحات السفير الفلسطيني، فإن مصداقيتها تستمد من الأدلة والوثائق التي يمكن أن تدعمها، لا من الصفة الدبلوماسية لصاحبها وحدها. وكذلك الأمر بالنسبة للاتهامات التي وجهها المحامي محمد ولد أمين؛ فهي تبقى في الإطار السياسي أو القانوني ما لم تُدعَّم بقرائن ووثائق يمكن التحقق منها، إذ إن الاتهام في حد ذاته ليس دليلاً، كما أن النفي وحده ليس برهاناً على البراءة من أي تقصير محتمل.
وفيما يتعلق بطرق إيصال المساعدات، فإن الواقع الميداني في غزة شديد التعقيد. فالطرق الرسمية تخضع لقيود وإجراءات ورقابة متعددة، وقد تعرضت مراراً للتعطيل أو التأخير نتيجة الظروف الأمنية والسياسية والحصار المفروض على القطاع. وفي المقابل، فإن اللجوء إلى مسالك غير رسمية أو شبكات تهريب يطرح إشكالات قانونية وأخلاقية كبيرة، لأنه يفتقد غالباً إلى الضمانات والرقابة اللازمة، وقد يعرّض الأموال أو القائمين عليها لمخاطر جسيمة.
ومن الناحية المبدئية، لا ينبغي أن تتحول الرغبة النبيلة في نجدة المنكوبين إلى مبرر لتجاوز القوانين أو اعتماد وسائل تفتقر إلى الشفافية. لكن من جهة أخرى، فإن مطالبة المتبرعين بإيصال المساعدات حصراً عبر قنوات تخضع بالكامل لأطراف متنازعة أو لرقابة جهات قد تمنع وصولها تظل هي الأخرى موضع نقاش مشروع، خاصة في حالات الحروب والحصار حيث تصبح الاعتبارات الإنسانية في مواجهة القيود السياسية والعسكرية.
إن جوهر القضية لا يكمن في الانتصار لهذا الطرف أو ذاك، بل في الإجابة عن سؤال واحد: هل وصلت المساعدات إلى المحتاجين أم لا؟ فإذا ثبت وصولها فقد تحقق المقصود الإنساني بغض النظر عن الجدل السياسي، وإذا ثبت وجود خلل أو تقصير أو سوء تصرف، فإن الواجب يقتضي كشفه ومحاسبة المسؤولين عنه دون تردد.
وعليه، فإن الموقف المحايد يقتضي التمسك بثلاثة مبادئ: احترام قرينة البراءة، والمطالبة بالشفافية الكاملة، وتقديم مصلحة المتضررين في غزة على كل أشكال التوظيف السياسي أو الحزبي. فالتبرعات أمانة، والأمانة لا يحفظها الضجيج الإعلامي ولا المناكفات السياسية، وإنما يحفظها الدليل والرقابة والصدق مع المتبرعين والمستفيدين على حد سواء.
سيدي عيلال مستشار جهوي