القبيلة والدولة الوطنية ، بين ضرورات الانتماء وتحديات المواطنة

ليست القبيلة في حد ذاتها نقيضًا للدولة الوطنية، كما أن الدولة الحديثة ليست مشروعًا لإلغاء الروابط الاجتماعية والتاريخية التي تشكلت عبر القرون. غير أن الإشكال يبدأ حين تضعف الدولة في أداء وظائفها الأساسية، أو حين تعجز عن أن تكون المرجعية العليا التي يلجأ إليها الجميع طلبًا للحماية والإنصاف وتكافؤ الفرص.
فكلما نجحت الجمهورية في فرض سيادة القانون، وضمان العدالة بين المواطنين، وتوفير الأمن والخدمات الأساسية دون تمييز، تراجعت الحاجة إلى الاحتماء بالانتماءات الضيقة، وتحولت القبيلة إلى إطار اجتماعي وثقافي طبيعي لا يتعارض مع الانتماء الوطني الأوسع. أما حين يشعر الفرد بأن حقوقه غير مصونة، أو أن الوصول إلى الفرص والمنافع يمر عبر الوساطات والولاءات التقليدية، فإن القبيلة تستعيد دورها بوصفها ملاذًا للحماية والتضامن والدفاع عن المصالح.
ومن هنا تبدو القبيلة في كثير من المجتمعات ليس باعتبارها سببًا للأزمة فحسب، بل أحيانًا نتيجة لها أيضًا. فهي تملأ الفراغ الذي تتركه الدولة عندما تعجز عن أداء وظائفها، وتقدم للفرد ما يفترض أن توفره المؤسسات العمومية من حماية ورعاية وإحساس بالانتماء. ولذلك فإن اختزال المشكلة في القبيلة وحدها قد يكون تبسيطًا مخلًا يتجاهل جذور الظاهرة وأسباب استمرارها.
إن الدولة الوطنية الحديثة لا تقوم على محاربة الانتماءات الاجتماعية بقدر ما تقوم على تنظيمها وإخضاعها لمنطق المواطنة والقانون. فالمواطن في الدولة الحديثة لا يفقد هوياته المتعددة، القبلية أو الجهوية أو الثقافية، وإنما تصبح هذه الهويات جميعًا واقعة تحت سقف هوية وطنية جامعة تضمن المساواة بين الجميع. وعندما تنجح الدولة في تحقيق هذا التوازن، تتحول القبيلة من منافس محتمل للدولة إلى مكون اجتماعي يثري النسيج الوطني ويعزز التضامن الأهلي.
غير أن الخطر يظهر عندما تتحول القبيلة إلى أداة للمنافسة السياسية أو الاقتصادية، وعندما تصبح معايير الانتماء والقرابة مقدمة على معايير الكفاءة والاستحقاق. ففي هذه الحالة تتراجع فكرة المواطنة، وتضعف الثقة في المؤسسات، ويتحول المجال العام إلى ساحة لتنازع العصبيات بدل أن يكون فضاءً للتنافس المشروع على أساس البرامج والأفكار.
والحقيقة التي كثيرًا ما يتم تجاهلها أن بناء الدولة الوطنية ليس مجرد عملية قانونية أو إدارية، بل هو مشروع أخلاقي وثقافي طويل الأمد. فالدساتير والقوانين، مهما بلغت دقتها، لا تكفي وحدها لترسيخ قيم المواطنة إذا لم يصاحبها شعور عام بالعدالة والإنصاف. ذلك أن المواطن لا يتخلى عن ولاءاته الصغرى إلا عندما يثق بأن الدولة قادرة على حمايته وإنصافه أكثر من أي إطار آخر.
لذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود القبيلة بحد ذاته، وإنما في قدرة الدولة على أن تكون أقوى من الحاجة إليها في وظائفها السياسية والحقوقية. فكل تقدم تحققه الدولة في مجال العدالة والحريات والتنمية المتوازنة هو خطوة نحو ترسيخ المواطنة، وكل تراجع في هذه المجالات يمنح الانتماءات التقليدية فرصة أكبر لاستعادة أدوار تتجاوز حدودها الطبيعية.
وفي النهاية، فإن العلاقة بين القبيلة والدولة ليست معركة حتمية بين الماضي والمستقبل، بل هي علاقة تتحدد بمدى نجاح الدولة في تجسيد قيم الجمهورية. فحين تكون العدالة متاحة للجميع، والقانون فوق الجميع، والفرص موزعة وفق الكفاءة والاستحقاق، تصبح القبيلة جزءًا من الذاكرة الاجتماعية والرصيد الثقافي للأمة، لا عائقًا أمام بناء الدولة ولا منافسًا لها. أما عندما تغيب هذه الشروط، فإن القبيلة تعود لتفرض نفسها باعتبارها حقيقة اجتماعية تبررها الحاجة قبل أن يفرضها التاريخ.
سيدي عيلال مستشار جهوي