Uncategorizedالأخبارجديد الأنشطةمقالات

الكفاءة السياسية في حكومة ولد اجاي الجديدة: هل تتقدم حسابات السلطة على أولويات الوطن؟

إن حديث الوزير الأول المختار ولد اجاي، عقب إعادة تكليفه بتشكيل حكومة جديدة، عن المعايير التي أوصى فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بمراعاتها في التشكيلة المرتقبة، وفي مقدمتها الكفاءة السياسية، يفتح الباب أمام قراءة تتجاوز مجرد التغيير الحكومي إلى طبيعة المرحلة المقبلة، والأولويات التي ستحدد مسارها، والرهانات التي يبدو أن السلطة تستعد لخوضها خلال ما تبقى من المأمورية الثانية.

فحين تتقدم الكفاءة السياسية إلى صدارة معايير تشكيل الحكومة، يصبح من المشروع التساؤل عن طبيعة المهام التي يُراد لهذا الفريق الحكومي أن يضطلع بها: هل نحن أمام توجه يمنح الأولوية لتسريع الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، وتحسين الخدمات الأساسية، والاستجابة لمطالب المواطنين؟ أم أن المرحلة المقبلة ستشهد تركيزًا أكبر على إدارة الاستحقاقات السياسية، وضبط موازين القوى، والتعامل مع ملفات الخلافة السياسية والتعديلات الدستورية المحتملة، وما يرافقها من تجاذبات وحسابات؟

إن هذا التساؤل لا ينطلق من رفض الكفاءة السياسية في حد ذاتها؛ فالدولة تحتاج إلى سياسيين يمتلكون الحكمة والقدرة على إدارة الخلاف، وبناء التوافق، وحماية الاستقرار. لكن الإشكال يبدأ حين تتحول الكفاءة السياسية من وسيلة لخدمة الوطن والمواطن إلى أداة لحماية السلطة، أو تحصين خياراتها، أو إدارة الصراعات على حساب الإصلاح والتنمية. فليست كل كفاءة سياسية بالضرورة كفاءة في الحكم، ولا كل قدرة على احتواء الخصوم دليلًا على القدرة على معالجة الفقر والبطالة وتردي الخدمات.

أولًا: حوار وطني في مواجهة أزمة الثقة

تأتي إعادة تشكيل الحكومة في سياق سياسي تتجه فيه الأنظار إلى الحوار المرتقب، وما يُنتظر منه من معالجة للاختلالات الوطنية، وبناء تفاهمات تتجاوز الحسابات الضيقة. غير أن نجاح أي حوار لا يتوقف على براعة السلطة في إدارة جلساته، بل على استعدادها الحقيقي لتوسيع دائرة المشاركة، واحترام التعددية، والاستماع إلى الأصوات المخالفة، والتعامل مع القضايا الخلافية بروح وطنية لا بمنطق الغالب والمغلوب.

فالحوار الذي لا يطمئن المعارضين إلى جدية مخرجاته، ولا يضمن تكافؤ الفرص بين أطرافه، ولا يفتح الملفات الحساسة دون انتقائية، قد يتحول إلى مناسبة لتدبير التوازنات بدل معالجة أسباب الأزمة. وموريتانيا اليوم أحوج ما تكون إلى حوار يؤسس لتوافق مستدام، لا إلى تفاهمات عابرة تخدم موازين القوى القائمة.

ثانيًا: الدستور والخلافة السياسية.. أسئلة لا يجوز أن تحجب هموم المواطنين

وفي ظل تداول النقاش بشأن مستقبل الترتيبات الدستورية، وحدود المأموريات، وما قد يثار حول التعديلات الدستورية أو الخلافة السياسية، تبرز ضرورة الفصل بين استحقاقات الدولة الدستورية ومصالح الأشخاص أو الحسابات المرتبطة باستمرار النفوذ.

فالدستور ليس أداة تُستدعى كلما تغيرت حسابات السلطة، وإنما هو عقد سياسي وقانوني يحمي استقرار الدولة، وينظم تداول المسؤولية، ويمنع تحويل المؤسسات إلى امتداد لإرادة الأفراد. وأي نقاش دستوري جاد ينبغي أن ينطلق من المصلحة الوطنية، واحترام القواعد الدستورية، وضمان حرية التعبير والمشاركة، لا من الرغبة في تهيئة الظروف السياسية لخيار مسبق.

وإذا كانت الحكومة الجديدة مطالبة بالكفاءة السياسية، فإن أول امتحان لهذه الكفاءة هو قدرتها على حماية المؤسسات من التوظيف السياسي، وإدارة الخلاف بشأن المستقبل الدستوري للبلاد دون ضغوط أو تضييق، وتقديم المصلحة الوطنية على كل اعتبار آخر.

ثالثًا: الملفات العالقة واختبار استقلال الدولة عن حسابات الخصومة

لا يمكن قراءة المشهد السياسي بمعزل عن الملفات التي ما تزال تثير جدلًا واسعًا، وفي مقدمتها قضية الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، وتوقيف الجنرال المتقاعد لبات ولد المعيوف، والجدل بشأن المسؤوليات المتعلقة بالمحطات الكهربائية، فضلًا عن قضايا الابتزاز وملاحقة بعض المدونين في الخارج، وما يثار بشأن التضييق على الحريات ومتابعة النشطاء الحقوقيين.

هذه الملفات مختلفة في طبيعتها القانونية والسياسية، ولا يصح جمعها في حكم واحد أو افتراض أن دوافعها واحدة دون أدلة. لكنها، مجتمعة في نظر الرأي العام، تطرح سؤالًا جوهريًا عن مدى قدرة الدولة على معالجة القضايا الحساسة وفق قواعد واضحة، وضمانات قانونية متساوية، ومحاسبة لا تخضع للانتقائية.

ففي قضية الرئيس السابق، كما في غيرها من القضايا المثيرة للجدل، ينبغي أن يكون معيار الدولة هو احترام القانون وضمان الحقوق، لا تصفية الحسابات ولا منح الحصانة لأحد. وفي ملف المحطات الكهربائية، تقتضي المصلحة العامة كشف الحقائق الفنية والإدارية، وتحديد المسؤوليات بناء على الأدلة، وإطلاع المواطنين على ما جرى، لأن المال العام وحق الناس في الكهرباء ليسا شأنًا ثانويًا يمكن أن يتوارى خلف التجاذبات السياسية.

أما قضايا الابتزاز، فإن مواجهتها لا تكتمل بملاحقة من يُشتبه في ممارستهم له، بل تقتضي كذلك التحقيق في الوقائع التي يقوم عليها الابتزاز، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن فساد أو استغلال للنفوذ أو اعتداء على المال العام. فالعدالة لا تكون مكتملة إذا عوقب طرف وأُهمل طرف آخر لمجرد اختلاف موقعه من السلطة.

وبالمثل، فإن ملاحقة الجرائم الإلكترونية أو أي تجاوزات يرتكبها المدونون يجب أن تتم وفق القانون وضمانات المحاكمة العادلة، لا أن تتحول إلى وسيلة لمعاقبة الرأي المخالف أو إخافة الأصوات المنتقدة، سواء كانت داخل البلاد أو خارجها. فحرية التعبير ليست امتيازًا تمنحه السلطة لمن يوافقها، وإنما حق تحميه القوانين والضمانات الدستورية.

رابعًا: المعيشة والصحة والتعليم والأمن.. الأولويات التي لا تنتظر

وسط هذه الملفات السياسية المتشابكة، يبقى المواطن الموريتاني منشغلًا بأسئلة أكثر إلحاحًا من حسابات السلطة: كيف يواجه ارتفاع تكاليف المعيشة؟ أين يجد علاجًا لائقًا دون أن تتحول كلفة المرض إلى عبء يفوق قدرته؟ كيف يضمن لأبنائه تعليمًا جيدًا يفتح أمامهم أبواب المستقبل؟ ومتى يشعر بالأمن على نفسه وممتلكاته، وبأن مؤسسات الدولة موجودة لخدمته وحماية حقوقه؟

هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تتصدر جدول أعمال الحكومة الجديدة، لا أن تأتي في مرتبة متأخرة بعد ترتيب المشهد السياسي وإدارة الخلافات. فنجاح الحكومة لا يُقاس بعدد الملفات السياسية التي تتمكن من احتوائها، ولا بقدرتها على إخماد الأصوات المزعجة، بل بمدى ما تحققه من تحسن ملموس في حياة المواطنين.

إن المواطن الذي يعجز عن توفير الدواء أو تحمل تكاليف الغذاء، والذي ينتظر فرصة عمل أو مدرسة لائقة أو خدمة صحية أساسية، لا تعنيه كثيرًا براعة الحكومة في إدارة التوازنات إذا لم تنعكس تلك البراعة على واقعه. بل إن تجاهل هذه الأولويات قد يوسع الفجوة بين الدولة والمجتمع، ويضعف الثقة في المؤسسات، مهما امتلكت السلطة من أدوات سياسية.

خامسًا: الكفاءة السياسية الحقيقية تبدأ باحترام الحريات

إن أخطر ما يمكن أن تنتهي إليه أي مرحلة سياسية هو أن تصبح إدارة الاختلاف أهم من معالجة أسبابه، وأن يُنظر إلى المعارضة باعتبارها مشكلة ينبغي تحجيمها، وإلى المدونين باعتبارهم تهديدًا ينبغي إسكاتهم، وإلى النشطاء الحقوقيين باعتبارهم خصومًا بدل التعامل مع مطالبهم وفق القانون.

فالدولة الواثقة من نفسها لا تخشى النقد، والحكومة الناجحة لا تحتاج إلى التضييق لإثبات قوتها، والرئيس الذي يريد ترك أثر إيجابي في تاريخ بلاده يجد في حرية التعبير والمساءلة فرصتين لتصحيح المسار، لا خطرين ينبغي التخلص منهما.

إن تخفيف القيود على الحريات، وضمان الحقوق السياسية والمدنية، وإنهاء أي ممارسات تعسفية، ومعالجة الملفات العالقة بشفافية، ليست مطالب منفصلة عن التنمية؛ بل هي من شروطها الأساسية. فلا اقتصاد مستقرًا في بيئة يطغى عليها الخوف، ولا إصلاح إداريًا مستدامًا في غياب المساءلة، ولا مصالحة وطنية حقيقية مع استمرار الشك في عدالة تطبيق القانون.

سادسًا: الحكومة الجديدة أمام امتحان الأولويات

إن إعادة تكليف المختار ولد اجاي تمنحه فرصة جديدة، لكنها تضعه كذلك أمام مسؤولية مضاعفة. فإذا كانت الكفاءة السياسية شرطًا في التشكيلة الحكومية، فإن المطلوب أن تتجسد في القدرة على بناء التوافق الوطني، وإدارة الحوار بمصداقية، واحترام الدستور، وتحسين الخدمات، ومكافحة الفساد، وحماية الحريات، ومعالجة الملفات الحساسة بعيدًا عن منطق الانتقام أو المحاباة.

أما إذا انصرفت الجهود إلى إدارة التوازنات السياسية، والانشغال بمستقبل السلطة، وتضييق مساحة الاختلاف، بينما تتفاقم أزمات المعيشة والصحة والتعليم، فإن الحكومة تكون قد أخطأت ترتيب الأولويات، مهما بلغت كفاءة أعضائها في الحسابات السياسية.

فموريتانيا لا تحتاج إلى حكومة أكثر قدرة على إدارة الخصومات بقدر حاجتها إلى حكومة أكثر قدرة على إدارة الموارد، وتحقيق العدالة، وصيانة المال العام، وتوفير الخدمات، واستعادة الثقة بين الدولة والمواطن.

خاتمة: السياسة وسيلة لبناء الدولة لا غاية لتكريس السلطة

إن المرحلة المتبقية من المأمورية الثانية ينبغي ألا تتحول إلى سباق مع الزمن لترتيب مستقبل السلطة، أو إلى موسم لتصفية الخصومات وملاحقة الأصوات الناقدة، بينما تنتظر البلاد حلولًا لأزماتها المتراكمة. فالمسؤولية التاريخية تقتضي أن تكون الأولوية لبناء دولة القانون والمؤسسات، وتحسين ظروف المواطنين، وفتح المجال أمام التنافس السياسي السلمي، ومعالجة الملفات العالقة بميزان واحد من العدالة والشفافية.

والكفاءة السياسية التي تحتاج إليها موريتانيا اليوم ليست القدرة على إحكام القبضة على المشهد، بل القدرة على توسيع مساحات الحرية، واحتواء الاختلاف دون قمع، ومواجهة الفساد دون انتقائية، وإدارة الحوار دون إقصاء، وتحويل موارد البلاد إلى فرص وحقوق وخدمات يستفيد منها الجميع.

فالحكومات تتعاقب، والمأموريات تنتهي، والأشخاص يغادرون مواقعهم؛ لكن ما يبقى في ذاكرة الشعوب هو ما تحقق في حياتها من عدالة وكرامة وأمن وازدهار. ومن هنا، فإن المعيار الحقيقي لنجاح حكومة ولد اجاي الجديدة لن يكون مقدار ما تحققه من مكاسب سياسية للسلطة، وإنما مقدار ما تقدمه لموريتانيا من حلول، وللمواطنين من أمل، وللدولة من مؤسسات أقوى وأكثر عدلًا واستقلالًا.

فالوطن لا يحتاج إلى سياسة تُحسن تدبير البقاء في السلطة بقدر حاجته إلى سياسة تجعل السلطة في خدمة الوطن.

سيدي عيلال / مستشار جهوي

زر الذهاب إلى الأعلى