Uncategorizedالأخبارمقالات

من تغيير الوجوه إلى تغيير النهج.. التحدي الموريتاني المؤجل / سيدي عيلال

بين حكومتين، تغادر إحداهما مثقلة بتركة من المشكلات والاختلالات المتراكمة، وتُستقبل الأخرى وسط أسئلة ملحّة عن جدوى التغيير وحدود قدرته على تصحيح المسار، تبدو موريتانيا وكأنها تدور في حلقة مفرغة، تتسع فيها الأزمات وتتراجع فيها أولويات التنمية، فيما يزداد التباعد بين تطلعات الشعب وخيارات النظام.

لقد أضحت بوصلة التنمية في حاجة إلى إعادة توجيه حقيقية، بعد أن استُنزفت جهود الدولة في ملفات وصراعات لا تنتج بالضرورة حلولًا لمشكلات المواطن، ولا تعزز الانسجام الوطني، بل تنذر بتعميق الانفصام بين الدولة والنظام والشعب؛ حين تنشغل السلطة بحساباتها السياسية، وتغرق النخبة في سباق المواقع والمناصب، ويظل المواطن محاصرًا بأسئلة المعيشة والخدمات والعدالة وفرص العمل، دون إجابات تتناسب مع حجم معاناته.

وفي خضم هذا المشهد، يبدو أن جانبًا معتبرًا من اهتمام النخبة السياسية لم يعد منصبًّا على كيفية إنقاذ البلاد من أزماتها، بقدر ما انصرف إلى حسابات المشاركة في الحكومة الجديدة، وتقدير الحظوظ في اقتسام كعكة السلطة، التي تتضاءل قيمتها السياسية والاقتصادية كلما تكشفت أعباء المديونية وضاقت هوامش القرار المالي، وأصبحت الالتزامات الخارجية تضغط على خيارات الدولة وتحدّ من قدرتها على المناورة. فكيف يمكن الحديث عن تنمية مستقلة ومستدامة، فيما تتزايد أعباء الديون وتظل كلفة الاختلالات قائمة، ويُطلب من المواطن أن يتحمل نتائج خيارات لم يكن شريكًا حقيقيًا في صنعها؟

إن المعضلة لا تكمن في تغيير أسماء الوزراء، ولا في استبدال وجوه بأخرى، ولا حتى في إعادة توزيع الحقائب بين مكونات المشهد السياسي؛ وإنما تكمن في غياب مراجعة جادة للحصيلة، والقدرة على الاعتراف بالإخفاقات، والاستعداد للتخلي عن الأساليب التي أوصلت البلاد إلى هذا المستوى من القلق والتعثر. فالحكومات لا تُقاس ببلاغة تصريحاتها عند التعيين، بل بما تحققه من نتائج ملموسة، وما تحدثه من تحول في حياة الناس، وما تضعه من حدّ للهدر والفساد وسوء التسيير.

وبعد سبع سنوات من حكم النظام الحالي، لم يعد من السهل تسويق التغيير الحكومي بوصفه بدايةً جديدة، أو التعويل على الخطاب الرسمي وحده لإحياء الثقة المتآكلة. فقد منحت السنوات المنصرمة السلطة الوقت الكافي لتحديد الأولويات، واختبار السياسات، وتصحيح الاختلالات، وبناء نموذج حكم أكثر استجابة لمطالب المواطنين. وإذا كانت الأزمات نفسها تتجدد، والاختلالات تتراكم، والأسئلة الاجتماعية والاقتصادية تزداد إلحاحًا، فإن من حق الرأي العام أن يتساءل: ما الذي يمكن أن تحمله المرحلة المقبلة، ولماذا يُنتظر من الأدوات نفسها أن تنتج نتائج مختلفة؟

أما الوزير الأول القديم ـ الجديد، المختار ولد اجاي، فقد أُتيحت له فرصة أخرى لاقتراح تشكيلة حكومية يفترض أن تكون أكثر كفاءة وقدرة على مواجهة التحديات. غير أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في استيفاء معايير معلنة أو إرضاء مكونات سياسية، وإنما في إثبات أن الحكومة المقبلة ستكون حكومة أولويات وطنية، لا حكومة تسويات ظرفية؛ حكومة عمل ومحاسبة، لا واجهات خطابية؛ وحكومة تستعيد ثقة المواطن بالفعل، لا بالوعود التي استهلكتها التجارب السابقة.

لكن، وبالنظر إلى حصيلة السنوات السبع الماضية، لا يبدو التفاؤل مبررًا ما لم تقترن التغييرات بإرادة سياسية مختلفة، ومراجعة صريحة لمسار الحكم، وإجراءات ملموسة تعيد الاعتبار للإنسان الموريتاني، وتضع مكافحة الفساد وترشيد الإنفاق وإصلاح الإدارة وتحسين الخدمات الأساسية في صدارة الأولويات. أما إعادة إنتاج النهج نفسه بأسماء جديدة، فلن تكون سوى تمديد لأزمة تتجاوز حدود الحكومة إلى طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع.

إن موريتانيا لا تحتاج اليوم إلى حكومة تُحسن توزيع المناصب بقدر حاجتها إلى سلطة تُحسن ترتيب الأولويات، ولا إلى نخبة تتنافس على حصتها من النفوذ بقدر حاجتها إلى نخب تتحمل مسؤوليتها في إنقاذ الحاضر وصيانة المستقبل. فالجوع لا ينتظر اكتمال التفاهمات السياسية، والبطالة لا تعالجها بيانات التعيين، والمديونية لا تتراجع بتغيير الوزراء، والثقة العامة لا تُستعاد بإعادة تدوير الوعود.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تكون الحكومة الجديدة بداية مراجعة حقيقية لمسار السنوات السبع الماضية، أم مجرد حلقة أخرى في سلسلة تغييرات لا تمس جوهر الأزمة؟ إن الوقائع المتراكمة لا تمنحنا أسبابًا كافية للتفاؤل، وما لم تتغير العقلية التي تدير الشأن العام، فإن تبديل الحكومة لن يغيّر واقعًا يزداد صعوبة، ولن يجيب عن أسئلة شعب أنهكته الانتظارات، وضاقت به سبل العيش الكريم، وأصبح من حقه أن يرى الدولة في حياته اليومية، لا أن يسمع عنها في خطابات المسؤولين.

زر الذهاب إلى الأعلى