Uncategorizedالأخبارمقالات

حكومة جديدة أمام امتحان الحقيقة: من تغيير الوجوه إلى تصحيح المسار وتطبيق شعار الجمهورية

إن تزايد الحاجة إلى إجابات شافية عن أسئلة الواقع الموريتاني، وإلحاح المطالب المرتبطة بتحسين ظروف المواطنين وتصحيح الاختلالات المتراكمة، يجعلان العبء الملقى على عاتق الحكومة الوليدة أثقل من أن يُختزل في مجرد تغيير للأسماء والوجوه. فالتعديل الحكومي، مهما اتسعت دائرته، لا يمثل في حد ذاته إنجازًا، ولا يشكل غاية مستقلة عن النتائج التي يُفترض أن يفضي إليها؛ وإنما تكتسب التغييرات قيمتها الحقيقية بقدر ما تحدث تحولًا ملموسًا في حياة المواطنين، وتعيد الاعتبار لهيبة المؤسسات، وتُرمّم ما تصدّع من جسور الثقة بين الدولة والمجتمع.

إن التحدي المطروح اليوم ليس في كيفية توزيع الحقائب الوزارية، ولا في حجم التباين بين التشكيلة المنصرفة والتشكيلة الوافدة، بل في قدرة الحكومة الجديدة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة أسبابها، ومن تبرير الاختلالات إلى تصحيحها، ومن استهلاك الوقت في الوعود إلى صناعة النتائج. فالمواطن الذي يواجه أعباء المعيشة، ويبحث عن خدمة صحية لائقة، وتعليم ذي جودة، وفرص عمل تحفظ كرامته، وأمن يطمئن إليه، لا تعنيه كثيرًا الأسماء التي تتصدر المشهد بقدر ما تعنيه الآثار التي تتركها السياسات في واقعه اليومي.

أولًا: شعار الجمهورية ليس زينة للمؤسسات، بل التزام على الدولة

إن استعادة الثقة تبدأ من استحضار المعنى الحقيقي لشعار الجمهورية الإسلامية الموريتانية: «شرف، إخاء، عدل». فهذه الكلمات الثلاث ليست مجرد عبارة تُكتب على واجهات المباني الرسمية، أو تُرفع في المناسبات الوطنية، وإنما هي عقد أخلاقي وسياسي يحدد طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تجمع الدولة بمواطنيها، ويضع أمام مؤسساتها معيارًا واضحًا لقياس أدائها.

فأين الشرف حين لا تتناسب المسؤولية العامة مع مستوى الأمانة المطلوبة في أدائها؟ وأين الإخاء حين يشعر بعض المواطنين بأن فرصهم في الخدمات والحقوق والإنصاف ليست متكافئة؟ وأين العدل حين تتباين، في نظر المجتمع، فرص الوصول إلى الحقوق وتحمّل المسؤوليات، أو تتأخر معالجة مظالم وشكاوى تستدعي الإنصاف والتحقيق الجاد؟

إن هذه الأسئلة لا تستهدف شخصًا بعينه، ولا تختزل مؤسسات الدولة في أخطاء أفرادها، وإنما تستحضر الفجوة التي قد تنشأ بين المبادئ المعلنة والممارسة الفعلية. وهي فجوة لا تُردم بالخطب، بل بقرارات قابلة للقياس، وإدارة شفافة، ورقابة فعالة، ومحاسبة تطال كل من تثبت مسؤوليته عن التقصير أو الإضرار بالمصلحة العامة، دون انتقائية أو استثناء.

فالشرف يقتضي أن تكون الوظيفة العامة تكليفًا لا امتيازًا، وأن تُصان الموارد العمومية من الهدر وسوء التدبير. والإخاء يقتضي أن يشعر المواطن، مهما كان موقعه الاجتماعي أو الجغرافي، بأنه شريك كامل في وطنه، وأن حقوقه لا تتوقف على قربه من دوائر النفوذ. أما العدل، فيقتضي أن تكون القوانين مرجعًا للجميع، وأن تتساوى المسؤوليات أمام مقتضياتها، وأن يكون الإنصاف ممارسة يومية لا وعدًا مؤجلًا.

وحين يتحول هذا الشعار من قيمة رمزية إلى معيار للحكم على الأداء، تصبح الحكومة مطالبة بأن تثبت، بالفعل لا بالقول، أن الدولة قادرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه شعبها.

ثانيًا: الخروج من بركة التقصير العكرة يبدأ بالاعتراف بالأخطاء

لا يمكن بناء مستقبل مختلف بالأدوات الذهنية والإدارية ذاتها التي أسهمت في إنتاج الاختلالات القائمة. كما لا يمكن معالجة أزمة مستمرة عبر الاكتفاء بتغيير المسؤولين، إذا ظلت آليات اتخاذ القرار، وأساليب التسيير، وأولويات الإنفاق، وطرائق الرقابة والمحاسبة على حالها.

إن الخروج من بركة التقصير العكرة يقتضي أولًا شجاعة الاعتراف بأن بعض السياسات لم تحقق أهدافها، وأن بعض البرامج لم تبلغ النتائج المأمولة، وأن ثمة اختلالات تحتاج إلى مراجعة صريحة بعيدًا عن لغة التبرير وتبادل المسؤوليات. فالاعتراف بالخطأ ليس انتقاصًا من هيبة الدولة، بل هو أحد شروط استعادتها؛ لأن الهيبة التي تقوم على إخفاء العيوب تظل هشة، بينما تستند الهيبة الحقيقية إلى القدرة على تشخيص الخلل وتصحيحه ومنع تكراره.

ولا يعني ذلك أن تُحمَّل الحكومة الجديدة وحدها مسؤولية كل ما تراكم من مشكلات، أو أن تُدان السياسات قبل فحص نتائجها وأسباب تعثرها. بل يعني أن تتولى مسؤوليتها كاملة في حدود اختصاصاتها، وأن تضع حصيلة ما ورثته من ملفات موضع تقييم موضوعي، يميز بين ما تحقق، وما تعثر، وما أُهدر فيه الوقت والمال، وما يستوجب المساءلة أو إعادة البناء.

والأهم أن يتحول هذا الاعتراف إلى برنامج عملي يتضمن تحديد مواطن الخلل، وترتيب الأولويات، وتعيين المسؤوليات، ووضع آجال واضحة للتنفيذ، ونشر نتائج التقييم للرأي العام. أما الاعتراف الذي لا يعقبه تصحيح، والمراجعة التي لا تنتج قرارًا، فليسا سوى شكل آخر من أشكال إدارة التقصير.

### ثالثًا: المواطن يريد نتائج ملموسة لا تجديدًا للوعود

إن جوهر الاختبار الذي تواجهه الحكومة الجديدة يكمن في قدرتها على استعادة الأولويات التي تلامس حياة الناس مباشرة. فالتنمية لا تُقاس بكثرة المشاريع المعلنة، وإنما بمدى انعكاسها على الواقع، ولا تُقاس الميزانيات بحجم الأرقام المرصودة لها، وإنما بما تحققه من منافع عامة، ولا تُقاس كفاءة الإدارة بعدد الاجتماعات والقرارات، بل بقدرتها على حل المشكلات ومنع تكرارها.

ومن هنا، فإن ترتيب الأولويات ينبغي أن ينطلق من ملفات واضحة:

* المعيشة والقدرة الشرائية: العمل على تخفيف الأعباء عن المواطنين، وتحسين فعالية الرقابة على الأسواق، ومراجعة السياسات التي تزيد كلفة الحياة على الفئات محدودة الدخل.

* الصحة والتعليم: الانتقال من الالتزامات العامة إلى تحسين الخدمات والتجهيزات والموارد البشرية، وضمان وصول المواطنين إلى العلاج والتعليم بجودة مقبولة.

* التشغيل والتنمية المحلية: توسيع الفرص الاقتصادية، وتحسين البنية التحتية والخدمات الأساسية، والحد من التفاوت بين المناطق في الاستفادة من موارد الدولة.

* حماية المال العام: تعزيز الشفافية والرقابة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومراجعة أوجه الإنفاق التي لا تنتج قيمة تنموية واضحة.

* العدالة والحريات: ضمان احترام القانون، وصيانة الحقوق، وإتاحة المجال للنقد والمساءلة السلمية باعتبارهما وسيلتين لتصحيح السياسات، لا تهديدًا ينبغي مواجهته.

وليست هذه الملفات منفصلة عن بعضها؛ فضعف الخدمات يغذي الإحباط، وسوء إدارة الموارد يحد من فرص التنمية، وغياب الشفافية يضعف الثقة، بينما يؤدي تراجع الثقة إلى اتساع المسافة بين المواطن ومؤسساته. ولذلك فإن معالجة هذه القضايا تحتاج إلى رؤية متكاملة تجعل المواطن محور السياسات العامة، لا مجرد متلقٍّ لنتائجها.

رابعًا: لا تنمية مستدامة في ظل تراجع الثقة بين الدولة والمجتمع

الثقة ليست مفهومًا عاطفيًا مجردًا، ولا تُستعاد بمجرد الدعوة إلى الالتفاف حول الدولة أو تكرار الخطاب الرسمي. إنها حصيلة تجربة يومية يختبر فيها المواطن مدى صدق الوعود، وعدالة القرارات، وفاعلية المؤسسات، وقدرة المسؤولين على الوفاء بالتزاماتهم.

وحين تتسع المسافة بين الخطاب والواقع، تصبح كل وعود جديدة مطالبة بإثبات صدقيتها قبل أن تحظى بثقة الناس. وحين تتكرر المشكلات من دون تفسير مقنع أو معالجة فعالة، تتراجع قناعة المواطن بجدوى التغيير، حتى وإن تبدلت الوجوه وتغيرت العناوين.

ولهذا، فإن ترميم الثقة يقتضي فتح قنوات حقيقية للتواصل مع المواطنين، والاستماع إلى القوى السياسية والمجتمعية، والتعامل مع النقد باعتباره مصدرًا للمعلومات والتنبيه إلى مواطن الخلل، لا مجرد موقف ينبغي احتواؤه أو الرد عليه. كما يقتضي أن تكون المعلومات المتعلقة بالأداء العام متاحة بقدر ما يسمح به القانون، وأن تُعلن الأهداف ومؤشرات الإنجاز، حتى يتمكن المواطن من التمييز بين النتائج الفعلية والوعود التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ.

ولا ينبغي أن يُفهم هذا المسار على أنه تنازل عن هيبة الدولة؛ فالدولة القوية ليست التي تتجنب الاعتراف بمشكلاتها، بل التي تمتلك من المؤسسات والضوابط ما يسمح لها بمعالجتها دون ارتباك، ومن الشرعية ما يجعل المواطن يرى في إصلاحها مصلحة مشتركة.

خامسًا: التصحيح له كلفة، لكن استمرار الأخطاء أشد كلفة

لن يكون من السهل كبح جماح التراجع، إن ثبت وجوده في ملفات بعينها، من دون قرارات قد تكون مؤلمة، أو مراجعات تمس مصالح استقرت بفعل ممارسات سابقة، أو إجراءات تكشف أوجه قصور لم يكن من المريح الاعتراف بها. فالإصلاح الجاد لا يضمن رضا الجميع، ولا يمكن أن يتحول إلى عملية تجميلية هدفها الحفاظ على التوازنات القائمة مهما كانت نتائجها.

لكن ثمة فرقًا جوهريًا بين كلفة التصحيح وكلفة استمرار الاختلالات. فالأولى قد تكون محدودة ومؤقتة إذا أُحسن التخطيط لها وتوزيع أعبائها بعدالة، أما الثانية فقد تتراكم في صورة موارد مهدرة، وفرص تنموية ضائعة، وخدمات متراجعة، وتآكل للثقة يصعب تعويضه في وقت قصير.

ومع ذلك، فإن الحديث عن التضحيات لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتحميل المواطنين، ولا سيما الفئات الهشة، أعباء أخطاء لم يتسببوا فيها. فالإصلاح العادل يبدأ بمراجعة مواطن الهدر، وضبط الإنفاق، وتصحيح الاختلالات الإدارية، ومساءلة المسؤولين وفق القانون، قبل مطالبة المجتمع بتحمل كلفة إضافية.

كما أن المحاسبة لا تعني الانتقام، والتصحيح لا يعني تصفية الحسابات، ومكافحة الفساد لا تكتمل بمجرد إطلاق الاتهامات. إنما تتطلب هذه المسارات أدلة وإجراءات قانونية وضمانات تكفل الحقوق وتمنع الإفلات من المسؤولية كما تمنع الظلم. وبهذا وحده يصبح الإصلاح عملية مؤسسية مستدامة، لا حملة ظرفية تنتهي بانتهاء دوافعها السياسية أو الإعلامية.

سادسًا: امتحان الحكومة الجديدة هو قدرتها على تغيير النهج لا الواجهة

إن المسؤولية السياسية للحكومة الجديدة لا تقتصر على تنفيذ ما يُطلب منها، بل تشمل أيضًا تقديم تصور واضح لكيفية مواجهة التحديات، وتحديد ما تستطيع إنجازه، وما يحتاج إلى وقت أو موارد إضافية، وما يستوجب مراجعة الخيارات السابقة. فالحكم الرشيد لا يقوم على الوعود المطلقة، وإنما على أهداف واقعية، ومؤشرات معلنة، ومسؤوليات محددة، وتقييم دوري للنتائج.

ومن هذا المنطلق، سيكون من المهم أن تُقاس المرحلة المقبلة بما تحققه من تقدم في الملفات الأساسية، لا بمجرد عدد القرارات المتخذة أو حجم التغييرات الإدارية. وأن تكون العلاقة بين الحكومة والمواطن محكومة بمبدأ واضح: لكل وعد مسار تنفيذ، ولكل برنامج هدف قابل للتقييم، ولكل مسؤولية مساءلة تتناسب مع الصلاحيات والنتائج.

فإذا بقيت أدوات التسيير على حالها، وظلت الأولويات الاجتماعية والتنموية مؤجلة، واستمر التعامل مع الاختلالات بمنطق التبرير بدل المعالجة، فلن يكون تغيير الوجوه كافيًا لإحداث تحول حقيقي. أما إذا اقترن التغيير بمراجعة السياسات، وتحسين الخدمات، وحماية المال العام، وتوسيع فرص المشاركة والمساءلة، فإن الحكومة تكون قد بدأت الانتقال من إدارة الواقع كما هو إلى العمل على تغييره.

الوطن أكبر من الحكومات، وشعار الجمهورية أكبر من أن يبقى حبرًا على ورق

إن موريتانيا ليست في حاجة إلى مجرد دورة جديدة من الوعود، ولا إلى تغييرات تُستهلك آثارها في الجدل حول الأسماء والمناصب، بقدر ما تحتاج إلى مراجعة جادة للأولويات، وإرادة صادقة لتصحيح الاختلالات، ومؤسسات تجعل المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة.

إن شعار الجمهورية «شرف، إخاء، عدل» ينبغي أن يكون البوصلة التي توجه القرار العمومي، والميزان الذي تُقاس به السياسات، والمعيار الذي يُحتكم إليه في تقييم المسؤولين. فلا شرف من دون أمانة في إدارة الموارد، ولا إخاء من دون مساواة في الحقوق والفرص، ولا عدل من دون قانون يُطبق وضمانات تُصان ومساءلة لا تعرف الانتقائية.

والخروج من بركة التقصير العكرة لا يبدأ بتجميل صورتها، ولا بإلقاء المسؤولية على من غادروا مواقعهم وحدهم، بل بتشخيص أسبابها، وتحديد المسؤوليات فيها، ووقف مصادرها، وبناء بدائل عملية تمنع تكرارها.

إن الاعتراف بالأخطاء ليس نهاية الطريق، بل بدايته؛ وتصحيح المسار ليس عبئًا ينبغي الهروب منه، بل واجب لا يجوز تأجيله. فكلما تأخر الإصلاح ارتفعت كلفته، وكلما اتسعت الفجوة بين الشعارات والممارسات ازدادت صعوبة استعادة الثقة.

وعليه، فإن السؤال الذي ينبغي أن تواجه به الحكومة الوليدة نفسها والمجتمع ليس: من غادر، ومن وصل؟ بل: ماذا سيتغير في حياة المواطن؟ وما الذي سيُصحح في إدارة الدولة؟ وكيف سيصبح الشرف والإخاء والعدل واقعًا يلمسه الناس، بدل أن تظل مبادئ سامية تُرفع في المناسبات وتغيب عند الامتحان؟

تلك هي الأسئلة التي تستحق إجابات شافية، وتلك هي الجسور التي ينبغي بناؤها، وذلك هو الطريق الضروري للخروج من بركة التقصير إلى فضاء المسؤولية والإنجاز واستعادة الثقة.

سيدي عيلال / مستشار جهوي

زر الذهاب إلى الأعلى