Uncategorizedالأخبارمقالات

حين تفقد السياسات صداها: أزمة ثقة في مواجهة الأزمات / سيدي عيلال

لم يكن التذمر الشعبي من أداء النظام الموريتاني في تعاطيه مع الأزمة الراهنة مجرد ردّة فعل عابرة، بل هو تعبير عميق عن خلل متراكم في منهج إدارة الأزمات، وعن فجوة آخذة في الاتساع بين السلطة ومختلف مكونات المجتمع. فحين يتقاطع رفض الشارع مع تحفظ الطبقة السياسية وتململ النخبة، فإن ذلك لا يُقرأ بوصفه اختلافًا في التقدير، بل كإشارة واضحة إلى أزمة ثقة بنيوية.
لقد بدا أن النظام، بدل أن يبادر إلى استيعاب تداعيات الأزمة بروح استباقية، اختار مقاربة تقليدية تقوم على نقل الكلفة إلى المواطن، دون أن يُقنعه بوجود بدائل مدروسة أو تضحيات متوازنة. فرفع أسعار المحروقات مثلًا، في ظرف اقتصادي هش، لم يُقدَّم في إطار رؤية إصلاحية شاملة، بل كإجراء معزول يفتقر إلى السند الاجتماعي والسياسي، وهو ما عمّق الشعور بأن السلطة تفتقر إلى حسّ العدالة في توزيع الأعباء.
أما الطبقة السياسية، فقد وجدت نفسها أمام مشهد يغيب فيه التشاور الحقيقي، ويُستدعى فيه الحوار كآلية شكلية لا كشراكة فعلية. وهو ما جعل كثيرًا من الفاعلين يعتبرون أن النظام لا يزال يدير الشأن العام بعقلية الانفراد، حتى في أكثر اللحظات التي تتطلب إجماعًا وطنيًا واسعًا.
وفي ما يتعلق بالنخبة، فإن تحفظها لا ينفصل عن إدراكها لغياب خطاب تفسيري مقنع، قادر على ربط القرارات بسياقها الدولي والوطني. فالأزمات، مهما كانت خارجية المنشأ، لا تُدار فقط بالإجراءات، بل كذلك ببناء سردية تُشرك المواطن في الفهم وتمنحه شعورًا بالإنصاف. وهذا ما أخفق فيه النظام، حيث بدا خطابه مرتبكًا، دفاعيًا، وغير قادر على احتواء الغضب المتصاعد.
إن تقييم هذا الأداء يقود إلى خلاصة أساسية: المشكلة لا تكمن فقط في القرارات المتخذة، بل في الفلسفة التي تحكمها. فالنظام الذي يعجز عن تحويل الأزمة إلى فرصة لتعزيز الثقة، ويكتفي بإجراءات فوقية، إنما يكرّس هشاشة العلاقة بينه وبين المجتمع.
وعليه، فإن الخروج من هذا المأزق لا يمر عبر مزيد من الإجراءات التقنية، بل عبر مراجعة سياسية عميقة تعيد الاعتبار لمبدأ الشراكة، وتؤسس لعدالة حقيقية في تحمل الأعباء، وتفتح المجال أمام حوار صادق لا يُقصي أحدًا. فالأزمات، في نهاية المطاف، ليست اختبارًا لقدرة الأنظمة على اتخاذ القرار فحسب، بل لمدى قدرتها على إقناع شعوبها بعدالة تلك القرارات.

زر الذهاب إلى الأعلى