Uncategorizedالأخبارجديد الأنشطةمقالات

الدولة بين منطق الغنيمة و مقتضيات البناء الوطني

الدول لا تُدار بمنطق الزبونية، ولا تُبنى بعقلية التشفي، لأن الأوطان أكبر من نزوات الأفراد، وأبقى من حسابات اللحظة، وأعمق من رغبات الانتقام السياسي أو الاجتماعي. فحين تتحول السلطة إلى أداة لمكافأة المصفقين ومعاقبة المخالفين، تفقد الدولة معناها المؤسسي، وتنحدر من مقام الرعاية الجامعة إلى مستنقع الولاءات الضيقة والتحالفات الهشة.

إن الزبونية ليست مجرد خلل إداري عابر، بل هي إعلان صريح عن عجز السلطة عن تأسيس شرعية الكفاءة والعدل، لذلك تلجأ إلى شراء الولاءات بالمناصب والامتيازات، وتستبدل معيار الاستحقاق بمعيار القرب، وتُقصي أصحاب الخبرة والرأي الحر لصالح شبكات النفاق والانتهازية. وحين يصبح الولاء الشخصي مقدما على الكفاءة، تدخل الدولة مرحلة استنزاف صامت، تتآكل فيها المؤسسات، وتضمحل هيبة القانون، ويتحول المرفق العمومي إلى ملكية خاصة تتقاسمها مراكز النفوذ.

أما التشفي السياسي، فهو الوجه الأكثر هشاشة للسلطة المرتبكة، لأن الدولة الواثقة من نفسها لا تطارد خصومها بعقلية الثأر، ولا تجعل من تصفية الحسابات برنامجا للحكم، بل تتسع للجميع وتحتمي بالقانون والإنصاف. أما حين تُسخر أدوات الدولة للإذلال والإقصاء وتصفية الخصومات، فإن ذلك يكشف ضيق الأفق وقصر النظر، ويؤكد أن القائمين على الشأن العام منشغلون بمعاركهم الصغيرة أكثر من انشغالهم بمصير الوطن.

وفي لحظة الوطن الخائر
تبدو هذه الأزمة أكثر خطورة، لأن البلاد تواجه تحديات معيشية خانقة، واحتقانا اجتماعيا متصاعدا، وتراجعا مقلقا في الثقة بين المواطن والدولة. ومع ذلك، لا تزال بعض دوائر النفوذ تتصرف بعقلية الغلبة وتوزيع الامتيازات ومصادرة الجهود، وكأن الوطن مزرعة سياسية لا دولة يفترض أن تقوم على تكافؤ الفرص والعدالة والشفافية.

لقد أرهقت الزبونية الإدارة الموريتانية، حتى غدت قطاعات واسعة عاجزة عن أداء وظائفها بالكفاءة المطلوبة، بسبب تغليب المحسوبية على التأهيل، والولاء على النزاهة. كما ساهم خطاب التشفي والإقصاء في تسميم المناخ السياسي، وتعميق الانقسامات، وإضعاف إمكانات التوافق الوطني الذي تحتاجه البلاد أكثر من أي وقت مضى.

إن أخطر ما في هذا النهج أنه يبدد الطاقات الوطنية، ويدفع الكفاءات إلى العزلة أو الهجرة أو الصمت، بينما تتصدر المشهد وجوه لا تملك من أدوات القيادة سوى مهارة التملق وإتقان الاصطفاف حول مراكز النفوذ. وهكذا تتحول الدولة تدريجيا إلى هيكل مثقل بالفساد والترهل وفاقد للروح الوطنية الجامعة.

موريتانيا اليوم ليست بحاجة إلى سلطة تُكثر من صناعة الخصوم، بل إلى دولة تُحسن صناعة الأمل. ليست بحاجة إلى توزيع الغنائم، بل إلى ترسيخ العدالة. وليست بحاجة إلى تضخيم الولاءات الضيقة، بل إلى بناء عقد وطني يشعر فيه الجميع أن الوطن يتسع لهم دون تمييز أو انتقام أو إقصاء.

فالأوطان لا يحميها المتملقون، ولا ينهض بها المنتفعون، وإنما تبنيها الكفاءات الحرة، والإرادات الصادقة، والدول التي تدرك أن دوام الاستقرار لا يتحقق بالخوف والتشفي، بل بالعدل والكرامة واحترام المواطن.

سيدي عيلال

زر الذهاب إلى الأعلى