Uncategorizedالأخبارجديد الأنشطة

الحوار الوطني في موريتانيا: بين رهانات التوافق وهواجس الثقة

يشهد مسار الحوار السياسي الجاري في موريتانيا تطورات متسارعة تعكس تباين الرؤى بين مختلف الفاعلين السياسيين بشأن أولويات الإصلاح وحدود التوافق الممكن. فبعد سلسلة من اللقاءات والمشاورات التي أطلقتها السلطات العمومية مع الأحزاب السياسية والفاعلين الوطنيين، بدا واضحاً أن الجميع يتفق على أهمية الحوار من حيث المبدأ، بينما يختلفون حول شروطه وضماناته ومخرجاته المنتظرة.

وقد أفضت النقاشات الأولية إلى ترسيخ قناعة لدى جزء معتبر من الأطراف المشاركة بأن البلاد بحاجة إلى فضاء سياسي جامع يسمح بمعالجة القضايا الخلافية الكبرى بعيداً عن منطق المغالبة والاستقطاب. كما برز توجه يدعو إلى استثمار حالة الاستقرار السياسي النسبي من أجل إطلاق إصلاحات مؤسسية وقانونية تعزز الحكامة وتوسع المشاركة السياسية وتكرس الثقة بين الدولة والفاعلين السياسيين.

في المقابل، لا تزال بعض الأطراف السياسية تتحفظ على مستوى التوقعات من الحوار، معتبرة أن نجاحه يظل رهيناً بتوفير ضمانات كافية لتنفيذ ما قد يصدر عنه من توصيات، وبإظهار إرادة سياسية واضحة لمعالجة الملفات التي ظلت محل جدل خلال السنوات الماضية. ويستند هذا الموقف إلى تجارب سابقة انتهت في بعض الأحيان إلى تفاهمات لم تجد طريقها الكامل إلى التطبيق.

أما على مستوى مواقف المشاركين، فتبدو أحزاب الأغلبية أكثر ميلاً إلى دعم المسار الحالي باعتباره فرصة لتعزيز الاستقرار وتوسيع قاعدة التوافق الوطني حول الإصلاحات المستقبلية. كما تبدي بعض أحزاب المعارضة المشاركة استعداداً للتعاطي الإيجابي مع الحوار، انطلاقاً من قناعة مفادها أن المقاطعة لم تعد خياراً منتجاً، وأن الدفاع عن المواقف السياسية يكون أكثر فعالية من داخل فضاءات النقاش والتفاوض.

وفي الجهة المقابلة، اختارت شخصيات وأحزاب أخرى عدم المشاركة في المرحلة الحالية، مبررة موقفها بجملة من الاعتبارات السياسية. فمنها من يرى أن الظروف لم تنضج بعد لحوار قادر على إحداث تغيير جوهري في القضايا المطروحة، ومنها من يشكك في جدوى العملية برمتها ما لم تسبقها إجراءات لبناء الثقة بين مختلف الأطراف. كما يذهب بعض الرافضين إلى أن الأولوية ينبغي أن تُمنح لمعالجة اختلالات اقتصادية واجتماعية ملحة قبل الانخراط في حوارات سياسية واسعة.

ورغم اختلاف المواقف بين المشاركين والمقاطعين، فإن القاسم المشترك بين أغلب الفاعلين يتمثل في الإقرار بأهمية المحافظة على الاستقرار الوطني وتجنب الانزلاق نحو الاستقطاب الحاد. كما يلتقي الجميع تقريباً عند الحاجة إلى تطوير الممارسة الديمقراطية وتعزيز فعالية المؤسسات وتحسين مستوى الحكامة والعدالة الاجتماعية، وإن اختلفوا حول الوسائل والآليات الكفيلة بتحقيق تلك الأهداف.

وبناءً على المعطيات المتاحة حتى الآن، يمكن القول إن الحوار لم يبلغ بعد مرحلة الحسم النهائي في القضايا الجوهرية، لكنه نجح في فتح قنوات اتصال مباشرة بين أطراف كانت المسافات السياسية تفصل بينها. كما أسهم في اختبار مستوى الاستعداد المتبادل للتنازل والتوافق، وهي عناصر ستحدد في نهاية المطاف مدى قدرته على التحول من مجرد إطار للنقاش إلى آلية لإنتاج تفاهمات وطنية قابلة للاستمرار.

ويبقى التحدي الأكبر أمام جميع الأطراف هو الانتقال من منطق إعلان النوايا إلى منطق الالتزامات العملية، بما يضمن أن تتحول مخرجات الحوار ـ إن تم التوافق عليها ـ إلى سياسات وإصلاحات ملموسة تعزز الثقة بين الدولة والمجتمع، وتفتح آفاقاً جديدة أمام التنمية والاستقرار السياسي.
توب ريم

زر الذهاب إلى الأعلى