Uncategorizedالأخبارجديد الأنشطةمقالات

حين تتكلم النخبة بلغة الخصومة: هل نحن أمام يقظة سياسية أم انزلاق في الصراع؟

إن أخطر ما يواجه الأوطان ليس اختلاف الآراء، وإنما تحوّل الاختلاف إلى معركة مفتوحة تتراجع فيها الحكمة أمام الغضب، ويغلب فيها منطق التصنيف والإقصاء على منطق الحوار والتنافس المشروع.

هكذا تبدو الصورة اليوم؛ وطنٌ تعصف به الحسابات الضيقة، ونخبةٌ تخوض حربًا بينية تتداخل فيها الاعتبارات الفكرية والسياسية والشعبية، حتى بات من العسير رسم حدودٍ فاصلة بين الخلاف الموضوعي والخصومة الشخصية. وليس من الإنصاف اختزال هذا المشهد في تيارٍ واحد أو تحميله مسؤولية الانحدار في الخطاب؛ فإلى جانب التيار الإسلامي السياسي، برز أطرٌ وأساتذة جامعات ومحامون وفقهاء ومثقفون خرجوا عن صمتهم المعهود، وكسروا قواعد المجاملة التي حكمت المجال العام طويلًا.

ولعل اللافت أن لغة الخصومة نفسها قد تبدلت؛ فمفرداتٌ كانت مستبعدة من التداول، مراعاةً لخصوصية المجتمع وحياء الثقافة البدوية المحافظة، أصبحت اليوم جزءًا من الخطاب اليومي بين أبناء النخبة. وهذا التحول لا يعكس مجرد تغيرٍ في الأسلوب، بل يكشف عن تراجع الضوابط الاجتماعية والأخلاقية التي كانت تضبط الاختلاف، حتى وإن لم تمنع وجوده.

ولا يعني ذلك أن الماضي كان مثاليًا أو خاليًا من الصراعات، كما لا يعني أن الصراحة في كشف الأخطاء أمرٌ مذموم في ذاته؛ فالنقد ضرورة، والمساءلة حق، وكسر الصمت قد يكون واجبًا عندما يتعلق الأمر بالفساد أو الظلم أو إساءة استعمال السلطة. غير أن الفارق كبير بين نقد الوقائع ومحاكمة الأشخاص، وبين تفكيك الأفكار وتحويل الخصوم إلى أعداء.

لكل طرف في هذا المشهد ما يُحسب له وما يُؤخذ عليه، ولكل دعوى سياقاتها ومبرراتها، ومن الظلم إصدار الأحكام بمنطق الأبيض والأسود. كما أن تقديس الأشخاص لا يقل خطرًا عن شيطنتهم، لأن الأول يعطل المحاسبة، والثاني يقتل إمكانية التفاهم.

إن ما يحتاجه الوطن اليوم ليس مزيدًا من الاصطفافات، وإنما إعادة الاعتبار إلى ثقافة الاختلاف المسؤول؛ اختلافٍ يحفظ الحقوق، ويحاسب الجميع بمعيارٍ واحد، ويرفض الظلم أياً كان مصدره، دون أن يتحول إلى وقودٍ لعداواتٍ تستنزف المجتمع وتفتح جراحًا قد يصعب التئامها.

فالأوطان لا تنهض عندما ينتصر فريقٌ على آخر، وإنما عندما تنتصر الدولة على الأهواء، والقانون على الأشخاص، والمصلحة العامة على الحسابات الضيقة.
سيدي عيلال : مستشار جهوي

زر الذهاب إلى الأعلى