النخبة بين إرث الهيمنة وثورة الوعي

إن بلوغ الصراع داخل النخبة هذا المستوى غير المسبوق، حيث يتبادل السياسيون، وقادة الرأي، والأطر، والكوادر، بل وحتى العلماء، الاتهامات والطعون العلنية، ليس مجرد خلاف عابر، وإنما مؤشر على تصدع البنية الرمزية التي استند إليها المجتمع لعقود. فحين تنهار هيبة “المرجعيات” أمام الرأي العام، وتتبدد المسلمات التي كانت بمنزلة حقائق لا تقبل النقاش، فإن ذلك يعني أن آليات الضبط الاجتماعي التقليدية لم تعد قادرة على أداء وظيفتها بالفاعلية نفسها.
لقد تغير المجتمع بوتيرة أسرع بكثير من تغير نخبه. فالفرد الذي كان يعتمد على وسيط يفسر له الأحداث ويحدد له المواقف، أصبح يمتلك اليوم من أدوات المعرفة، ومنابر التعبير، ووسائل المقارنة، ما يجعله أقل استعدادًا لتلقي الحقائق الجاهزة وأكثر ميلاً إلى مساءلة من كانوا يُعدون فوق النقد. لقد صنعت الثورة الرقمية جيلاً لا يعترف بالحصانات المعنوية إلا بقدر ما تدعمها الحجة والشفافية.
وفي المقابل، لم تستوعب كثير من المدارس الفكرية والسياسية والدعوية هذا التحول العميق. فقد ظلت تراهن على أدوات التعبئة القديمة، وعلى صناعة الرموز، وإحاطة بعض الشخصيات بهالة من القداسة الاجتماعية والتنظيمية، في وقت أصبحت فيه تلك الهالات عرضة للتآكل بمجرد انتشار معلومة أو وثيقة أو تسجيل أو رواية مضادة.
وما يلفت الانتباه أن ما كان يُتداول همسًا داخل المجالس المغلقة أصبح يُقال اليوم على المنابر وفي وسائل الإعلام وشبكات التواصل. فهناك من قادة الرأي من بات يتناول بالنقد العلني أداء الجماعات الإسلامية وبعض قياداتها، ويطرح أسئلة كانت إلى وقت قريب تُعد من المحرمات السياسية أو الاجتماعية، سواء تعلق الأمر بإدارة العمل التنظيمي، أو بمصادر التمويل، أو بخطاب التعبئة، أو بالعلاقة بين الدعوي والسياسي.
كما أن تصاعد الجدل حول حملات التبرعات، ولا سيما المرتبطة بالقضايا الإنسانية الكبرى كغزة، وحول بعض الفتاوى والمواقف السياسية، يعكس اتساع دائرة المطالبة بالشفافية والمساءلة، دون أن يعني ذلك بالضرورة صحة كل الاتهامات أو بطلان كل المواقف؛ فهذه قضايا ينبغي أن تُناقش بالأدلة والوقائع لا بالانطباعات أو الاستقطاب.
ولا يمكن كذلك إغفال أن الساحة الوطنية، شأنها شأن كثير من الساحات العربية والإسلامية، تتأثر بتقاطعات إقليمية ودولية متعددة. فالمتابعون كثيرًا ما يناقشون مدى تأثير سياسات دول مثل المملكة العربية السعودية، وقطر، والإمارات العربية المتحدة، وتركيا، وإيران، في تشكيل المناخ الفكري والسياسي في المنطقة، سواء عبر القوة الناعمة، أو وسائل الإعلام، أو العلاقات الرسمية، أو شبكات العمل الخيري والدعوي. غير أن تقدير حجم هذا التأثير في كل حالة يتطلب أدلة موثقة، ولا ينبغي افتراضه في واقعة بعينها دون بينة.
إن المجتمع يقف اليوم أمام مرحلة انتقالية لم تعد فيها الزعامة تُورث بالهيبة، ولا تُصنع بالدعاية وحدها، ولا تُحمى بالمحرمات. فالعصر الجديد يفرض على الجميع، أفرادًا وتنظيمات ومؤسسات، أن يخضعوا للقدر نفسه من النقد والمساءلة والشفافية، لأن الشرعية في زمن المعرفة لم تعد تُستمد من التاريخ أو التنظيم أو كثرة الأتباع، بل من صدقية الممارسة، ونزاهة الإدارة، والقدرة على إقناع العقول قبل استمالة العواطف.
سيدي عيلال : مستشار جهوي