موريتانيا بين نخبةٍ سايرت وأخرى غايرت… فمن أوصل الوطن إلى هنا؟

من المفيد جدًا أن ينتبه الموريتانيون إلى واقع بلدهم، لا كما تُزيّنه الخطب، ولا كما تُسوّقه بيانات التلميع، وإنما كما هو في الميدان: بلدٌ أُهدرت فيه فرص كثيرة، وتراكمت فيه الاختلالات، وتقدّمت فيه اعتبارات الأشخاص والمصالح على مقتضيات الدولة والمصلحة العامة.
لقد آن الأوان أن نسأل بجرأة: ماذا فعلت نخبنا بهذا الوطن؟ وماذا صنعت به تلك النخبة التي سارت، وسايرت، وغايرت، وبدّلت مواقعها كلما تبدّلت موازين القوة؟ فالمشكلة ليست في اختلاف المواقف، فذلك حق مشروع، وإنما في أن يتحول الموقف إلى سلعة، والمبدأ إلى وسيلة، والوطن إلى مساحة للمناورة، والوظيفة العامة إلى غنيمة يتوارثها المتنفذون ويتنافس عليها المتملقون.
لقد عاشت موريتانيا طويلًا تحت تأثير نخبةٍ كان يفترض أن تكون عقل الدولة وضمير المجتمع، فإذا ببعضها يصبح جزءًا من أزمتها؛ يصفّق حين يكون التصفيق مربحًا، ويصمت حين يكون الصمت أكثر أمانًا، ويصرخ حين يصبح الصراخ طريقًا إلى موقع جديد. تلك هي المسايرة حين تتحول إلى منهج، وتلك هي المغايرة حين لا تكون مبدئية، بل مجرد انتقال من ضفة إلى أخرى.
وليس أخطر على الأمم من نخبةٍ تعرف الحقيقة ولا تقولها، وترى الخلل ولا تواجهه، وتدرك مواطن العطب ثم تنشغل بتبريرها بدل إصلاحها. فالأوطان لا تتأخر بسبب قلة الموارد وحدها، وإنما تتأخر حين تفقد القدرة على تسمية الأشياء بأسمائها، وحين يصبح الفشل وجهة نظر، والفساد اجتهادًا، والامتياز حقًا مكتسبًا، والولاء للأشخاص معيارًا للكفاءة.
موريتانيا لا تحتاج إلى المزيد من النخب التي تجيد تبديل الخطاب أكثر مما تجيد تغيير الواقع؛ ولا إلى من يرفع شعار الإصلاح في النهار ثم يبحث عن نصيبه من الريع في الليل. إنها تحتاج إلى نخبة تقول للحاكم: أخطأت حين تخطئ، وللمعارض: بالغت حين يبالغ، وللمواطن: لك حقوق وعليك واجبات، وللدولة: لا تُبنى بالولاءات الشخصية، وإنما بالقانون والمؤسسات والعدل وتكافؤ الفرص.
إن مراجعة واقعنا ليست جلدًا للذات، ولا نبشًا عبثيًا في الماضي؛ إنها شرط للنجاة من إعادة إنتاجه. ومن لا يملك شجاعة النظر إلى جراحه، سيظل يضع المساحيق على وجه مريض ويطلب منه أن يبتسم.
لقد آن للموريتانيين أن ينظروا إلى المرآة بلا خوف: ماذا أنجزنا؟ ماذا أضعنا؟ ومن أوصلنا إلى ما نحن فيه؟ ومن يملك الشجاعة ليقول إن الخلل ليس دائمًا في “الآخر”، بل فينا نحن أيضًا؟
فالأوطان لا تنهض بكثرة الموالين، ولا بكثرة المعارضين، وإنما برجال ونساءٍ يكون الوطن عندهم أكبر من الأشخاص، والمبدأ أقوى من المصلحة، والضمير أثقل من المنصب.
وإذا لم تفعل النخبة ذلك الآن، فمتى؟ وإذا لم تُحاسب نفسها قبل أن تطالب الآخرين بالمحاسبة، فبأي حق تتحدث باسم المستقبل؟
سيدي عيلال مستشار