احتراق محولات الكهرباء في نواكشوط.. هل نحن أمام قوة قاهرة أم مسؤولية تستوجب التعويض؟

توب ريم نواكشوط – تقرير
أثارت أزمة احتراق عدد من المحولات الكهربائية في العاصمة نواكشوط، وما ترتب عليها من أضرار وانقطاعات وتلف في بعض ممتلكات المواطنين، نقاشًا قانونيًا حول طبيعة المسؤولية عن هذه الأضرار، وما إذا كان بالإمكان اعتبار ما حدث من قبيل القوة القاهرة التي قد تعفي الجهة المسؤولة من بعض تبعاتها القانونية.
ويكتسي هذا النقاش أهمية خاصة، لأن وصف حادث ما بأنه «قوة قاهرة» لا يرتبط بمجرد خطورته أو حجم الخسائر التي خلفها، وإنما يخضع لشروط ومعايير قانونية دقيقة.
ما المقصود بالقوة القاهرة؟
تُعرّف القوة القاهرة، في أصلها القانوني، بأنها واقعة استثنائية خارجة عن إرادة المسؤول، لا يمكن توقعها بصورة معقولة، ولا يمكن دفعها أو تفادي آثارها رغم اتخاذ الاحتياطات اللازمة، وتكون هي السبب المباشر في استحالة تنفيذ الالتزام أو وقوع الضرر.
وبالتالي، فإن مجرد وقوع حريق في محول كهربائي، مهما كانت نتائجه، لا يكفي وحده لوصف الحادث بأنه قوة قاهرة؛ إذ إن العبرة بسبب الحريق وظروف وقوعه ومدى إمكانية توقعه أو تفاديه.
سبب الحريق هو مفتاح تحديد المسؤولية
في الحالة المتعلقة بمحولات الكهرباء في نواكشوط، تبدو نتيجة التحقيق الفني المنتظر هي العنصر الأكثر أهمية في تحديد المسؤولية.
فإذا أثبت التحقيق أن احتراق المحولات نجم عن حادث استثنائي ومفاجئ، لم يكن من الممكن توقعه أو منعه حتى مع إجراء الصيانة اللازمة، وتوفير وسائل الحماية والسلامة، واتخاذ الاحتياطات الفنية المعتادة، فقد تتوافر شروط القوة القاهرة، وقد يترتب على ذلك انتفاء المسؤولية عن الأضرار التي كانت نتيجة مباشرة لذلك الحادث.
أما إذا كشف التحقيق أن الحرائق كانت مرتبطة بعوامل يمكن للجهة المشغلة توقعها أو تفاديها، فإن الأمر يصبح مختلفًا من الناحية القانونية.
ومن بين الفرضيات التي يمكن أن تثير المسؤولية: تهالك المحولات، ضعف الصيانة، الأحمال الكهربائية الزائدة، غياب أو قصور وسائل الحماية، التأخر في استبدال تجهيزات معيبة، أو تجاهل مؤشرات سابقة على وجود خطر.
وفي مثل هذه الحالات، يصعب قانونًا الاستناد إلى القوة القاهرة باعتبارها وسيلة للإعفاء من نتائج خلل أو تقصير كان من الممكن منعه أو الحد من آثاره.
تضرر المواطنين لا يسقط حقهم في المطالبة
ومن المهم التأكيد على أن تعرض المواطنين لخسائر مادية نتيجة الحريق أو انقطاع الكهرباء لا يجعل الواقعة، في حد ذاته، قوة قاهرة، كما أن وصف الحادث بهذه الصفة لا يمكن أن يُحسم بمجرد التصريحات أو التقديرات الأولية.
فالمسألة الأساسية التي ينبغي أن تجيب عنها التحقيقات هي:
هل كان احتراق المحولات حادثًا استثنائيًا يستحيل توقعه ودفعه، أم أنه كان نتيجة خلل أو تقصير كان بالإمكان تفاديه؟
والإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد إلى حد كبير طبيعة المسؤولية القانونية، وما إذا كان للمواطنين المتضررين حق في المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بأجهزتهم وممتلكاتهم.
موقف «صوملك» والتحقيق المنتظر
ويأتي هذا النقاش في ظل الأزمة الكهربائية التي شهدتها نواكشوط، حيث نقل تقرير منشور اليوم عن المدير العام للشركة الموريتانية للكهرباء «صوملك» تمسك الشركة، من وجهة نظرها، بوصف الظروف المرتبطة بالأزمة بأنها تدخل في إطار القوة القاهرة.
غير أن حسم المسألة قانونيًا لا يبدو ممكنًا بمجرد إطلاق هذا الوصف، إذ يظل مرتبطًا بنتائج التحقيق الفني والقضائي، وبمدى ثبوت العلاقة بين أسباب الحرائق والأضرار التي لحقت بالمواطنين.
فإذا أثبتت الخبرة الفنية أن الحادث كان خارجًا عن السيطرة رغم اتخاذ جميع الاحتياطات المعقولة، فقد يكون وصف القوة القاهرة قائمًا على أساس قانوني.
أما إذا أثبتت أن المحولات كانت تعاني من أعطاب أو تهالك، أو أنها تعرضت لأحمال تفوق قدرتها، أو أن وسائل الحماية والصيانة لم تكن كافية، أو أن مؤشرات الخطر كانت معروفة ولم تتم معالجتها، فإن وصف الواقعة بالقوة القاهرة يصبح محل اعتراض جدي.
بين القوة القاهرة والتقصير
وبعبارة أكثر بساطة، فإن احتراق محول بسبب صاعقة استثنائية لا يمكن توقعها أو منعها قد يندرج، بحسب ظروف الواقعة ونتائج التحقيق، ضمن القوة القاهرة.
لكن احتراق محول بسبب القدم، أو سوء الصيانة، أو زيادة الأحمال، أو خلل معروف في تجهيزاته، أو عدم معالجة إنذارات سابقة، قد يثير مسؤولية الجهة المشغلة، ولا يكون من السهل قانونًا اعتباره قوة قاهرة.
وفي جميع الأحوال، تبقى كلمة الفصل للخبرة الفنية والتحقيقات المختصة، لا للانطباعات المسبقة؛ لأن تحديد المسؤولية يتطلب معرفة دقيقة بسبب الحريق، وحالة المحولات، ومستوى الصيانة، وطبيعة إجراءات السلامة، وإمكانية توقع الحادث وتفاديه، ومدى ارتباط ذلك مباشرة بالأضرار التي لحقت بالمواطنين.
وبذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه أزمة محولات الكهرباء في نواكشوط ليس فقط: من تضرر؟ وإنما أيضًا: لماذا احترقت المحولات، وهل كان بالإمكان منع ذلك؟
وعلى ضوء الإجابة عن هذا السؤال يمكن تحديد ما إذا كانت الواقعة قوة قاهرة تعفي من المسؤولية، أم حادثًا كان بالإمكان تفاديه ويترتب عنه، عند ثبوت التقصير وعلاقة السببية، حق المتضررين في المطالبة بالتعويض.