السيد الرئيس ،الخواطر لا تجبرها الزيارات، والجراح لا تضمدها المواكب

ليست المشكلة أن يزور رئيس الدولة ولايةً من ولايات الوطن؛ فزيارة الحاكم لأهل بلده ليست منّةً عليهم، ولا مأثرةً تستوجب الاحتفاء، بل هي في أصلها واجبٌ من واجبات الدولة، وحقٌّ للمواطن في أن يرى سلطته بينه، تسمع أنينه، وتعاين واقعه، وتتحسس مواضع الخلل في حياته.
لكن المشكلة تبدأ حين تأتي الزيارة إلى إنشيري وآدرار في وقتٍ مثقلٍ بالأسئلة، محمّلٍ بالجراح، فتُراد لها أن تكون بديلاً عن الإنصاف، أو أن تُستخدم مظاهرها لتغطية واقعٍ أشدّ قسوة من أن تستره المواكب، وأعمق من أن تجبره الكلمات.
فليس كل استقبالٍ رضا، ولا كل تصفيقٍ مصالحة، ولا كل ابتسامةٍ دليلاً على أن الجرح قد التأم.
إن في إنشيري وآدرار من المظالم المتراكمة، ومن الإهمال المزمن، ومن ضيق العيش، ومن العطش والبطالة وتردي البنى التحتية، ما يجعل أي زيارة رسمية اختباراً حقيقياً لاختبار البروتوكول: هل جاءت الدولة لتسمع الناس فعلاً، أم لتسمع ما تريد أن تسمعه؟
فالولايتان لا تحتاجان إلى جبر خواطر عابر، وإنما إلى جبرٍ مؤسسيٍّ حقيقي؛ جبرٍ يبدأ بالماء، ويمر بالتنمية والعمل والبنية التحتية، وينتهي إلى صيانة كرامة المواطن وحماية حقوقه وثرواته.
وفي إنشيري تحديداً، تبدو المفارقة أكثر إيلاماً: أرضٌ تختزن ثرواتٍ هائلة، وأهلها لا يزالون يواجهون ضيقاً في العيش، فيما تظل الأسئلة معلقة حول حجم استفادة السكان من خيرات أرضهم، وحول الرقابة على استغلال الثروة، وحماية البيئة من آثار المواد والسموم التي قد تهدد صحة الإنسان ومقدرات المكان.
ثم إن للولاية جرحاً سياسياً وإنسانياً لا يمكن القفز عليه: ابنها الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، الذي يراه أنصاره أحد أبرز رموزها، يعيش وضعاً جعل مسألة حقه في العلاج موضع قلق وجدل؛ وهي مسألة ينبغي، قبل أي اعتبار سياسي، أن تُحسم بمنطق القانون والإنسانية والحق في الرعاية الصحية.
ولم يكن توقيف اللواء المتقاعد لبات ولد المعيوف، بما يمثله من حضور ومكانة ورمزية، في مثل هذا الظرف المشحون، إجراءً يساعد بالضرورة على تهدئة النفوس أو بناء جسور الثقة؛ إذ إن الدولة، حين تكون بصدد مخاطبة مجتمع مثقلٍ بالهواجس، أحوج ما تكون إلى فائض من الحكمة، لا إلى ما يضيف جرحاً جديداً إلى جراح قديمة.
إن إنشيري وآدرار لا تطلبان امتيازاً، ولا تشفياً، ولا خصومة مع الدولة؛ إنهما تطلبان شيئاً أبسط وأعمق: أن تكونا جزءاً حقيقياً من أولوياتها، لا مجرد محطة في جدول زياراتها.
فالولايات لا تُستمال بالمواكب، ولا تُقاس مكانتها بعدد المستقبلين، ولا تُرمم علاقتها بالدولة بخطاب احتفالي؛ وإنما تُستعاد الثقة حين يرى المواطن الماء في حنفيته، والعمل في متناول شبابه، والطريق صالحاً للسير، والثروة مصانة، والبيئة محمية، والقانون واحداً على الجميع.
الدولة القوية ليست تلك التي تُظهر قدرتها على استخدام مؤسساتها إلى أقصى الحدود، وإنما تلك التي تعرف أن هيبة الدولة لا تكتمل بالقوة وحدها، بل بالعدل، وأن احترام السلطة لا يُنتزع بالإكراه، وإنما يُبنى بالإنصاف.
ولهذا، فإن زيارة الرئيس لإنشيري وآدرار ينبغي ألاط تكون مجرد زيارةٍ إلى جغرافيا الوطن، بل زيارةً إلى أسئلة الوطن؛ وألا تكون بحثاً عن صورةٍ جميلة في المشهد، بل بحثاً عن مواطن الخلل التي شوّهت حياة الناس.
فالخواطر لا تجبرها الزيارات، والجراح لا تضمدها المواكب؛ وإنما يجبرها العدل، وتضمدها دولةٌ تنصت لمواطنيها، وتحمي حقوقهم، وتصون ثرواتهم، وتعيد إليهم قبل كل شيء إحساسهم بأنهم متساوون في الوطن والحق والكرامة.
سيدي عيلال مستشار جهوي