حين تتراجع الأولويات الوطنية أمام إغراءات السلطة: مأزق النخبة واختبار المواقف / سيدي عيلال

حين تتجاوز النخبة أولويات الوطن ومطالب الشعب، لتنغمس في مصالح فردية ضيقة ومكاسب آنية، يصبح تاريخ التضحية وصمود الوطنيين مجرد ذكريات حزينة، يستحضرها الأحرار بقلوب مثقلة، لا لأن الماضي أحق بالوفاء من الحاضر، بل لأن التضحيات التي لم تُفضِ إلى صيانة المكتسبات، ولا إلى ترسيخ العدالة، ولا إلى توسيع هامش الحرية، تظل جرحًا مفتوحًا في ضمير الأمة.
ولعل ما تشهده الساحة السياسية الموريتانية من مراجعات في مواقف بعض القوى المعارضة، في ظل تصاعد الدعوات التي يروج لها داعمو الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بشأن تغيير الدستور وفتح المأموريات، يفرض التوقف عند جوهر هذه التحولات، لا من باب مصادرة حق أحد في مراجعة مواقفه، فالمراجعة السياسية حق مشروع، بل من باب التساؤل عن المعايير التي تحكمها، والغايات التي توجهها، والحدود التي تفصل بين مراجعة المواقف استجابةً لمصلحة وطنية واضحة، وبين إعادة ترتيبها تحت ضغط المصالح والحسابات الظرفية.
إن المعارضة، في جوهرها، ليست موقفًا أبديًا من الأشخاص، كما أن الموالاة ليست صكًّا مفتوحًا لتبرير السياسات والاختلالات. إنما تُقاس المواقف بمدى وفائها للمبادئ، وقدرتها على التعبير عن تطلعات المواطنين، واستعدادها لتقديم المصلحة العامة على الحسابات الخاصة. ومن هذا المنطلق، لا تكمن الإشكالية في أن تراجع بعض القوى المعارضة مواقفها أو تنفتح على خيارات سياسية جديدة، وإنما في أن يحدث ذلك قبل أن تتضح حصيلة التجربة، وقبل أن تجد القضايا التي أثقلت حياة المواطنين أجوبة مقنعة، وقبل أن تظهر مؤشرات جدية على تصحيح الاختلالات التي راكمتها سنوات الحكم.
فما الذي يبرر اليوم الترويج لمواصلة النهج وفتح الباب أمام مأموريات جديدة، إذا كانت الحصيلة المتراكمة لا تزال تثير أسئلة جوهرية بشأن مستوى التنمية، وفعالية السياسات الاجتماعية، وحماية الثروة الوطنية، وترشيد استغلال الموارد العمومية، وتكريس العدالة وتكافؤ الفرص؟ وأي معنى للاستمرارية إذا لم تكن استمراريةً في الإنجاز والتصحيح، بل مجرد امتداد زمني لتجربة لم تستطع، حتى الآن، إقناع قطاعات واسعة من المواطنين بأن أعباءهم تتراجع، وأن حقوقهم تتعزز، وأن ثروات بلدهم تُدار بما يضمن حاضرهم ومستقبل أبنائهم؟
إن أخطر ما في الدعوات إلى تعديل الدستور وفتح المأموريات ليس مجرد الجدل القانوني والسياسي الذي تثيره، بل احتمال أن تتحول الأولوية الوطنية من البحث عن حلول لمشكلات الناس إلى البحث عن صيغ تضمن استمرار الأشخاص في مواقع السلطة. فالدستور ليس نصًّا قابلًا للتعديل كلما ضاقت الخيارات أمام الطامحين إلى البقاء، ولا الدولة ملكية سياسية يتوارثها أصحاب النفوذ، وإنما هو إطار ناظم للسلطة، وضمانة لاستقرار المؤسسات، وتعبير عن تعاقد وطني ينبغي أن تسمو قواعده على رغبات الأفراد وحسابات المجموعات.
ولا يستقيم، في هذا السياق، أن تُختزل السياسة في حشد المؤيدين لتجديد الثقة في نهج قائم، بينما تظل قضايا حماية المال العام والثروة الوطنية، وإنصاف المواطنين، وتوسيع الحريات، وصيانة الحقوق، رهينة المعالجات المحدودة أو الوعود المؤجلة. فالثروة الوطنية ليست أرقامًا في التقارير، بل حق للمواطن في التعليم والعلاج والعمل والعيش الكريم، والعدالة ليست شعارًا في المناسبات، بل ميزان تُقاس به علاقة الدولة بأبنائها، والحريات ليست امتيازًا تمنحه السلطة لمن تشاء، بل ضمانة أساسية لكرامة الإنسان وسلامة الحياة العامة.
أما التضييق على الحريات، متى ثبتت مظاهره، فلا يمكن تبريره باسم الاستقرار؛ لأن الاستقرار الذي يستند إلى إضعاف النقد أو تقليص مساحة الاختلاف يظل استقرارًا هشًّا، عاجزًا عن معالجة أسبابه العميقة. فالدولة القوية لا تخشى الرأي المخالف، والنظام الواثق من حصيلته لا يحتاج إلى تحصين نفسه من المساءلة، بل يجد في النقد فرصة لتصحيح الأخطاء واستعادة الثقة.
ومن هنا، فإن مراجعة المواقف السياسية ينبغي أن تكون مناسبة لمراجعة حصيلة السياسات أيضًا، لا مدخلًا لتجاوزها أو طيّ صفحاتها قبل تسوية ما فيها من اختلالات. وعلى القوى المعارضة التي تفكر في إعادة تموضعها أن تدرك أن وزنها التاريخي لا يُقاس بعدد المواقع التي تحصل عليها، ولا بمقدار ما تناله من الاعتراف السياسي، بل بما تضيفه إلى ميزان العدالة والحرية والتنمية، وبما تحافظ عليه من ثقة المواطنين الذين رأوا فيها، يومًا، صوتًا لمطالبهم وأداة للدفاع عن حقوقهم.
وليس المطلوب من هذه القوى أن تظل أسيرة خصومات الماضي، أو أن ترفض كل حوار أو تقارب لمجرد أنه يأتي من جهة كانت تختلف معها؛ فالحياة السياسية الرشيدة تقوم على الحوار والتوافق حين يخدمان الوطن. لكن الحوار الذي لا يستند إلى وضوح الأولويات، والتوافق الذي لا يتضمن ضمانات حقيقية للإصلاح، قد يتحولان إلى تسوية بين النخب، يدفع المواطن ثمنها بينما تُقدَّم له باعتبارها إنجازًا سياسيًا.
إن الأوطان لا تتقدم بتبديل المواقع بين النخب، ولا بتوسيع آجال السلطة، وإنما بقدرتها على تجديد الثقة، وتصحيح المسارات، وإخضاع المسؤولية للمحاسبة، وجعل الإنسان وحقوقه وثرواته في صدارة الاهتمام. والتاريخ لا يحاكم السياسيين على ما رفعوه من شعارات فحسب، بل على ما حفظوه من حقوق، وما أنجزوه من إصلاحات، وما امتلكوه من شجاعة حين تعارضت المصلحة الوطنية مع المكاسب الشخصية.
ولذلك، فإن السؤال الأهم اليوم ليس: من مع الاستمرارية ومن ضدها؟ بل: استمرارية ماذا، ولصالح من، وبأي حصيلة، وتحت أي ضمانات؟
فمن حق أي قوة سياسية أن تعيد النظر في موقفها، لكن ليس من حقها الأخلاقي أن تتجاهل الأسئلة التي قامت مواقفها السابقة على أساسها، أو أن تطلب من المواطنين نسيان الأثمان التي دفعوها قبل أن ترى منهم السلطةُ ما يبرر تجديد الثقة فيها.
ذلك أن التضحية من أجل الوطن ليست رصيدًا سياسيًا يُستثمر عند الحاجة، ولا ذاكرةً تُستدعى لاستدرار التعاطف، بل أمانة تفرض على أصحابها أن يظلوا أوفياء للغايات التي ضحّى من أجلها الوطنيون. وحين تتقدم المصالح الآنية على تلك الأمانة، لا يخسر الأفراد وحدهم احترام الناس، بل تخسر الحياة السياسية شيئًا من معناها، وتتراجع الثقة في قدرة النخبة على أن تكون جديرة بحمل آمال المجتمع.
فالأوطان أوسع من حسابات النخب، والدساتير أسمى من رغبات الأفراد، والتاريخ لا يمنح صكوك الوفاء لمن يكتفي باستحضار تضحيات الأمس، بينما يتخلى عن مقتضياتها في امتحانات الحاضر.